السبت، 14 يونيو، 2014

بؤس الفلسفة

من فرط استهلاكنا للغة اليومية شديدة العادية أصابنا الضجر وبدا كلامنا عن الأشياء يغدو مبتذلاً؛ من هذه النقطة وبدءاً من هنا بالضبط بدأنا نبحث عن لغة جديدة وجذابة تتحدث عن نفس الأشياء، لكنها تحمل كل سمات التعالي النخبوي والغموض الذي ينطوي على الخواء. أي نتيجة انتهى إليها لهاثنا ذلك؟ إلى شيء اسمه الفلسفة.


***

كل خط زمني يمشيه المرء منشغلاًً بالفلسفة هو خط مهترئ سيودي به حتماً إلى هاوية لا قبل له بها. الآن حينما أتأمل كل تلك الدقائق التي أفنيتها في الانكباب على النصوص الفلسفية، لا أشعر سوى بالحسرة والمرارة؛ لم يسبق لشيء في هذا الوجود أن خذلني مثلما فعلت الفلسفة. لقد أغوتني إلى وكرها ووعدتني بأشياء كثيرة وأنا الآخر توقعت منها أكثر مما تستطيع هي أن تمنحني إياه، ولكن، ويا لحظي العاثر، لم أخرج من تجربتي معها إلا بالخيبة، أحتاج الآن إلى كتيبة بشرية لتجر ذيول خيبتي.

ثمة قوة غامضة قذفت بي إلى هذا الوجود، وأول ما اتضح لي من هذا الأخير: أنه وجود ملغّز، صعب، ومبهم. في الواقع أنه من المحال على المرء أن يعيش ولو ليوم واحد بدون أن تجتاحه أسئلة حارقة حول معنى الذات والله والحياة. الطابع الحارق لهذه الأسئلة الثلاث هو الذي أغواني للارتماء في أحضان الفلسفة التي لم أعتنقها عن حب وشغف بل فراراً من أزمة الوجود وضيق المعنى. خيبة أملي في الفلسفة هي أشبه بما حدث لرجل تعرف إلى امرأة فاتنة ومثيرة، فتعلق بها وظل يحوم حولها ووضع كل وقته قرباناً لها، ولكن بمجرد ما أصبحت معرفته بها تتعمق شيئاًً فشيئاًً بدأ يكتشف بأن تلك المرأة، رغم جاذبيتها، امرأة تافهة ترتدي سترة مثيرة من الجلد واللحم، وبأن كل سعيه وراءها كان سعياً وراء اللاشيء.

 أقل ما يقال عن أي نص فلسفي نموذجي/أكاديمي هو أنه أشبه بصحراء جليدية عارية. الآن لا أستطيع قراءة أكثر من بضع صفحات من الوجود والزمان أو الوجود والعدم، دون أن أنسحق تحت عجلات الشعور بالوحدة والتيه. ببساطة لا يمكنك أن تستمر في قراءة أي نص من هذين دون أن تشعر بذلك الغياب الصاعق للإنسان: لا مشاعر، لا تقلبات مزاجية، لا تناقضات، ولا رغبات تصارع بعضها بعضاً. عندما تغرق مثلاً في قراءة نص لكانط أو مارتن هايدجر لا يمكنك إلا أن تقف لحظة وتتساءل عما إذا كان النص يتعلق بإنسان (بالمعنى الروحي للكلمة) أم بآلة مفكرة. النص الفلسفي نص جاف وقاحل، وقراءته أمَرُّ من عبور الصحراء على إنفراد؛ لاشيء فيه إلا ذلك اللي الخبيث للكلمات واللعب البهلواني بالمفاهيم. وأول ما يعد به النص الفلسفي هو البحث عن الحقيقة والقبض عليها- إن أمكن ذلك- ولكن هذا النص – ويا للسخرية- لا يفعل شيئاً سوى التخلي عن أي حقيقة والبدء في إنتاج حقيقته هو: نسيج معقد من المفاهيم والتصورات المغرقة في التجريد تتخلله كل تلك العمليات المنطقية المعهودة. وماذا يكون حالنا مع الوجود بعد الانتهاء من قراءة كل عمل فلسفي كبير؟ لا شيء سوى المزيد من العتمة والضبابية.

 النص الفلسفي في مظهره يبدو عميقاً، ولكنه في حقيقته سطحي، جوهره فارغ. لك فقط أن تقوم بترجمة نص فلسفي إلى اللغة العاميّة الدارجة وسترى كيف سينهار ويتحول إلى ركام بلا معنى. لنقم فقط بمقارنة بين بوذا وهايدجر؛ كلا الرجلين تحدثا عن الوجود والعدم؛ عن الحياة والموت. لكن الأمير الهندي كان أوضح وأبلغ، فقد تحدث عن أمهات المسائل بكلمات مقتضبة في منتهى البساطة، وهي بسيطة إلى الحد الذي جعلها في متناول الكل؛ حتى آخر بقال في الجوار لا يمكنه أن يفوت ذلك العمق الذي تنطوي عليه. الأستاذ الألماني هو الآخر تحدث عن نفس المسائل لكنه- وهذا هو وجه العقم فيه- استعمل لغة أكاديمية، وهذا ما جعل نصوصه نخبوية وبعيدة المنال إلا عن الدوائر الأكاديمية المغلقة. يبدو أن كل ما يهتم به هايدجر فعلاً ليس الوجود في حد ذاته بل الطريقة التي يتحدث بها عن الوجود، وهذا ما يجعل النص الهايدجري- وهو النص الفلسفي بامتياز- نصاً تقنياً حيث تحل المفاهيم الإجرائية والمقولات المنطقية محل الكائن، وتتحول علاقاتنا بالوجود من معضلات وجودية إلى تمارين معرفية. يتأملون الفلاسفة كل كوارثنا الوجودية الكبرى- من كارثة الولادة إلى كارثة الموت وما يقع بينهما- ولكنهم يتناولونها كمتخصصين أكاديميين؛ فماذا تكون نتيجة هذا التناول؟ أنساق تجريدية معقدة وتراكيب مقولاتية لا توازيها في تدويخ الأذهان وإرباك العقول حتى متاهات ديدالوس. أي تقييم يمكن أن تمنحه لنص فلسفي كالوجود والعدم؟ لا شيء سوى أنه هذيان ما بعده هذيان. والحق أن النص الفلسفي طبق جذاب لكنه بدون ملح. وجاذبيته هذه لا تمارس سحرها إلا على التلامييذ الأكاديميين الذين يطريهم التغلغل في كل ما هو مجهول وغامض، ويسعدهم الانغماس في أسماء الأشياء عوضاً عن الأشياء نفسها.

 فيماذا يهمني كون الوجود الإنساني خاضع لإرادة المعرفة أو إرادة القوة؛ أو أنه وجود يسبق ماهيته؟! بما يهم إذا كان هذا الوجود هو الوجود الوحيد والممكن؛ أو أن يكون مجرد صورة شاحبة لوجود اخر ميتافيزيقي ومتعال؟! في رأيي أكبر خطأ وقع فيه الفلاسفة هو المبالغة المسرفة في وصف الوجود، كما لو أن مشكلتنا مع الوجود مشكلة معرفة. في الواقع، السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه علينا بإلحاح كصداع نصفي ليس "ما هو الوجود؟" بل هو "كيف نتحمل الوجود؟". نحن من ربحنا يناصيب الحياة، لكن مشكلتنا مع صدفة الوجود ليست مشكلة فهم بقدر ما هي مشكلة صمود. كل ما أعرفه الآن- وقد التهمت المئات من النصوص الفلسفية- لا يختلف عما اختبرته وأنا ابن الحادية عشر؛ لقد فهمت مبكراً بأن هذا الوجود وجود أصم، وأخرس لا يكترث بنا، ولن يبالي بنا حتى لو مزّق صراخنا عنان السماء؛ وفهمت أيضاً بأن كل حياة هي مسلسل من الانهيارات المتتالية، سقوط تلو الاخر؛ ولكن ما كان يعوزني دائماً ليس النظريات والمفاهيم والترسانة المعرفية، بل ذلك التوازن النفسي والروحي اللازم لمواجهة تلك الانهيارات: توازن يحول بيني وبين السقوط للسفح بجنون.

يتبع...

*عنوان التدوينة مقتبس من "كارل ماركس".

هناك 3 تعليقات: