الخميس، 18 يوليو 2013

معضلة السعادة

من بين كل الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي، لم يؤثر في إلا واحد منهم. لقد كان سلوكه وتصرفاته ونظرته إلى الأشياء تعطي الانطباع كما لو انه جاء من كوكب آخر. إذا كان الناس في أعمالهم ونشاطاتهم يجرون دائماً ضد عقارب الساعة ويسابقون الزمن، فهو لا يتحرك نحو أية وجهة يقصدها، إن كانت وجهته نحو عمل شاق أو نحو مأدبة، إلا بإيقاع سلحفاتي. بالنسبة له، لا شيء يستحق أن نتصبَّب عرقاً من اجله؛ فكل سر الحياة يكمن في التحرك ببطء. في الحقيقة، لم يكن يجمعه ببني البشر إلا هيئته الآدمية وسترة من جلد ولحم، أما تصرفاته فكانت أقرب إلى المخلوقات الأخرى منه إلى شيء آخر. مع البومة كان يجمعه عشق التجول ليلا، ومع الكوالا ساعات النوم الطويلة، أما مع القنفذ في التقوقع على الذات.

 الماضي، الحاضر، المستقبل؛ مجرد مفردات في نظره تنتمي إلى علم الصرف والكلام ولا تمس الوجود في أي شيء. السعادة ، بالنسبة له، مشكلة بسيطة وحلها يكمن في عدم التفكير في الغد. العمل لا يجب أن يكون لأجل هدف آخر غير تحصيل الحاجات الأساسية، أما الرفاهية فهي التمكن من شراء علبة سجائر وشرب فنجان من القهوة في مقهى عام. عندما كنا نتسامر ليلا، كان يحلل ويفكك مقومات الحياة من ألفها إلى يائها، لا شيء كان يصمد أمام مزاجه الكلبي وبصره الثاقب. كان يعري كل شخصية اجتماعية، من أصغر بواب إلى أكبر موظف حكومي. عندما يبدأ في الكشف عن الجوانب المضحكة في شخص أو ظاهرة ما، كان لا يضحك أبدا؛ فلا شيء بالنسبة له مدهش بخصوص الحياة، فهي غير جدّية من بدايتها إلى نهايتها.

 من خلال معايشتي لحواراته وملاحظاته، علمت بأن الفلسفة الحقيقية تمشي على الأرصفة و تتردد على المقاهي والأمكنة المهمشة؛ بل إنني علمت منه أيضاً بأن الفيلسوف الحقيقي لا يملك بالضرورة أطروحة ميتافيزيقية أو كرسياً جامعياً. الموقف الميتافيزيقي الحق لا يكمن، حسب تصوره، في السير وراء هذا النبي أو ذاك، بل فقط، وببساطة تامة، في تقليد بعض الزواحف، فقط الالتفاف حول الذات.

 متى تتحقق السعادة؟!
 -عندما نقتنع بأنه لا شيء جدير بالضمانة في هذه الحياة؛ وبأن هذه الأخيرة لا يمكن أن تعطي دائماً أكثر مما هو ممكن. لقد سلك البشر كل الطرق التي اعتقدوا بأنها تؤدي إلى السعادة، فانتشروا في مناكب الأرض بحثاً عن المال أو المجد أو المتعة؛ لكن بعد أن تم لهم ما كانوا يرغبون فيه، غرقوا في الضجر وعدم الرضا. يقول إبكتاتوس: "السعادة لا تكمن في المكسب والتمتع، بل في كبح جماح الرغبة". وفي الواقع، بقدر ما يرغب المرء ويتمنى وينتظر، بقدر ما تبقى السعادة خارج متناوله. افتح أي كتاب في الثيولوجيا أو الحكمة أو الأخلاق، وسترى بأنه لا يقترح عليك بخصوص مسألة تحصيل السعادة، إلا وصفة واحدة وبسيطة: الإذعان. " تقبل تقلبات وانهيارات الدهر بقلب مفتوح وبصدر رحب، وسترى كيف ستنال سكينة الروح وراحة البال".

يتم القذف بنا إلى حياة دون أي خيارات لنا أو سؤالنا إن كنا نرغب في ذلك أم لا. في يوم ما يفتح المرء عينيه فيجد نفسه بأنه ابن إسكافي أو وزير، وبأنه ملزم بأن يعيش على هذه الطريقة أو تلك؛ وقد يدفع الطموح وعدم الرضا المرء إلى التمرد على هذا الوضع الاجتماعي أو ذاك؛ ولكن عندما يتأمل في أحوال العالم جيداً ويراقب عن كثب تعسفات القدر، سيتبين له، و على نحو واضح، بأنه لا شيء يستحق أن نحزن أو نتمرد لأجله؛ ذلك أن هذا العالم ليس سوى مسرحية كبرى حيث كل واحد منا مجرد ممثل وكل سيرة ذاتية مجرد دور.

 السعادة كلمة مشبعة بالتناقض، وإن كانت ممكنة في هذه الحياة فإنها لا تتجلى إلا على شكل شعور نوستالجي، إنها مثل الصحة، لا نستشعر أهميتها إلا بعد أن نكون قد فقدناها. لهذا، تجد الواحد منا يستعمل دائماً في حديثه عن سعادته صيغة الماضي وليس أبداً صيغة المضارع. إنها تكون دائماً وراءنا؛ مما يعني أنها تكون دائماً خارج متناولنا. رغم كل البريق الذي يتمتع به مفهوم السعادة في الأدبيات الفلسفية، إلا أن روح الانسان لها من الحظوظ لكي تنجو عن طريق البؤس أكثر منه عن طريق الرفاهية والازدهار. فليس هناك ما هو أشد خطرا على الإنسان من العيش في رغدٍ دائم. المرض والأرق والقلق بشأن المستقبل المادي؛ كلها مظاهر للبؤس توقظ الروح و تدفع المرء إلى طرح الأسئلة ومعاينة أكبر القضايا الماورائية وما ورائها. و من هذا المنطلق، نجد بأنه ليس هناك فرق جوهري بين الانطلاق في رحلة بحثاً عن جنيه والانطلاق في أخرى بحثاً عن الله.

 إذا كان لدينا بعض الأفكار العميقة حول الله والحب والموت، فإننا مدينون بها إلى الطابع الدرامي للحياة؛ فلولا الجراح والتمزقات التي يلحقها الزمن بأنفسنا وأرواحنا، لكنا قد متنا من الضجر والبلادة. ولا غرابة في الأمر، فالإنسان يكون عميقاً وهو يعيش تحت سقف كوخ أكثر منه وهو يعيش تحت سقف أحد القصور.

 Evening on Karl John street by Munch


الثلاثاء، 9 يوليو 2013

غواية التمرد

هناك غواية وحشية في التماهي المطلق مع الأفكار المجردة.


أخرجت قطع الشطرنج الخشبية من صندوقها المغبر القديم كأحفورة من الماضي السحيق، وبدأت بقطعة قماش ناعمة جافة في إزالة التراب عنها ببطء. كنت على اتفاق مع أبي أن نعود سوياً للعب الشطرنج بمجرد عودته من غيابه الطويل، وقد اتصل ليخبرني مبتهجًا إنه راجع في الغد. فيما مضى كنا نحل سوياً مسائل الرياضيات، يتحجج بمساعدتي في دروسي كي يرجع لمتعة حل المعادلات، كلانا أحب حالة التركيز والتكريس الذهني المصحوبة بتشغيل الدماغ، الاندماج الكامل الهاديء، الإيقاع المنتظم مع توالي المعادلات. يقرأ القانون بإمعان، ثم ينطلق لا يحده أحد. في رحاب الجا والجتا والظا والظتا والدوال والأسس والجذور التربيعية وقوانين الميكانيكا والهندسة الفراغية وسحر المستويات، يسودُ الكون سكون تام. تهدأ صراعات العالم ونزاعاته التافهة، يحل الصمت ليكلل بجلاله كل الموجودات، يصل فيه المرء إلى أحد مستويات النرفانا، ذلك التماهي الكامل مع المطلق والواضح والمنطقي والجميل، الرياضيات هي تكريس لانهائي للعقل، ولا تخلو من العاطفة أيضاً، فيها لحظة ساطعة ثمينة، تلك الإشراقة المبهرة؛ لحظة الوصول إلي البرهان. في آخر مرة لعبنا فيها الشطرنج، مضت أيام طويلة وهو يحرك قطعه شارد الذهن، قبل أن يفقد تركيزه فيكشف مليكه أمام نقلة ممكنة لوزيري، لم ينتبه إلا بعد النقلة فقطب وزم شفتيه آملاً في سره ألا ألحظ هذه "الزلة". تبادلنا نظرة سريعة استرددتها على عجل قبل أن يتمكن من قراءتها. أطرقت بهدوء، حركة واحدة، وأسحق جيشه. نصر سهل. هممت أن أزيح مليكه. ثم عدلت، منعني حدس غامض من أن أقول له "كش ملك" وكأن شيئاً ما عزيزاً علينا معا سيهوى من علي بعدها مباشرةً. تجاهلت الفرصة السانحة للفتك بمليكه واسترخيت، بدأت أدردش حول السياسة بينما أحرك على الرقعة ما تبقى من قطعي بعشوائية حتى ابتسم وهو يغمغم "كش ملك". تبادلنا نظرات عميقة صامتة. إنه يعرف، وأنا أعرف أنه يعرف، وهو يعرف أني أعرف أنه يعرف، لكنه تجاهل الإشارة لما حدث وكلانا يشعر نحو الآخر بامتنان.

 عجيبةٌ هي مسالك الإله، فمعظم الشرور تنكيلاً بالفرد وحقوق الإنسان هي تلك التي ترتكب خاصةً باسم الانسانية من أجل حرية الفرد وحقوقه. قدرة الأطفال على ارتكاب البشاعات يعتورها نقاء حقيقي خالص، نقاء الشر، الطفل كيان معدوم الضمير عبارة عن "هو" خالصة صافية لم ينضج ولم تتكون لديه بعد لا "أنا" ولا "أنا عُليا" على معيار فرويد، تلك الوحوش الباكية الصغيرة تحرق القطط باستمتاع عميق، يسكبون عليها البنزين ثم يشعلون ذيولها بالكبريت ويتركونها تجري في الشوارع تعوي وتموء كتلاً مشتعلة من الفراء، يضحكون في جذلٍ مسعور. الأطفال كائنات خطرة، تستطيع أن تقرأ في وجه البراءة الجميل؛ القبح يضرب في الصميم، الشر المكين، بشاعة البلاهة، تلك القدرة المطلقة على ارتكاب المأساة، ودون مبالاة، التنكيل فائق العنف بأي شيء وكل شخص وحتى بذواتهم في سبيل الحصول على "لعبة"، الأعين الجاحظة جحوظ التنين، الأسنان اللبنية المتكسرة وحشية المنظر، الأفواه المفغورة الشبقة تلثغ وتثأثيء وتخور، تمضغ علكة رخيصة ماركة "المجتمع المريض"، تعوى في وجوهنا أنْ ليس ثمة "خير" في البراءة، إذا كانت البراءة "هو" خالصة.

 التماهي المتعامي مع الأفكار المجردة الداعية للإنسانية يحول البشر إلى مسوخ غير إنسانية. وفي مكان ما بالاسكندرية كهل وحيد تماماً يبكي دماً، ينعي شيخوخته المريضة المكللة بالعار والخواء والوحدة المطبقة، يتآكل حزناً ومرارة على ابنه الشريد الذي اختار مصير مطاريد الجبل. في زمن النضج أعرف أشياء مصحوبة بافتضاض بكارة الوهم، بانقشاع أبخرة الحلم، أعرف أن "التمرد" مرض من أمراض الطفولة، مثل الحصبة، يختفي في زمن النضج، وأن العجز الإنساني، أو بالأحرى اللا إنساني؛ عن الفهم، عن التواصل الآدمي، لا تعوّضه طبول المجد، أو حفاوة الطنانين، العيانين، الزياطين، خواء الأعماق لا تملؤه ضجة المراقص أو التصفيق في المسارح، كل الأفكار الخرقاء البلهاء في هذا العالم مقتحمة، نافذة، وقحة وكيتشيّة، تتسرب بعنف إلى المسام سماً زعافاً، مزعجة إزعاج الشوكة الرنانة. لقد انقشعت هالة السلطة التي زانت هامة أبي قديماً عن جمجمة مشتعلة بالشيب فلم يعُدْ إله باطش، ولا وحش ديكتاتور يرغب في استلاب حريتي، هكذا تكشف جبروته القديم؛ كما كنت أراه بعين الطفولة؛ عن شيخ ضعيف، كهل خائف، بحاجة إليّ بأضعاف أضعاف حاجتي أنا له، إنه الآن دوري أنا، ما أغرب أن احتياجه الأساسي اليوم يتمحور حول الإنصات، فقط بعض الوقت والإنصات، يريد أن يتكلم بفخر عن كفاحه وإنجازاته وأوجاعه وأدويته وهواجسه فننصت باهتمام، أن يعرف بعد كل هذه السنين رأيي الحقيقي فيه، يقف بقلب واجف أمام ماضيه، احتياجه عميق، عريق، للشكران. يرتعد فرقا أن يتمخض عناؤه الطويل عن فشل، مقت، رفض، ونكران. كل آلامه محتملة؛ إلا الحرمان العريق في شيخوخته من محبة الأبناء.

 قالها كافكا: "يا عزيزي أنت حرٌ، ولذلك بالتحديد أنت ضائع". اليوم أنت في الربع قرن من عمرك، في فمك طَعم مرٌ لمذاقِ حقيقتك؛ والعالم، مذاق معاناتك مع الإدراك نافذ الثقل كغطاء رخامي لمقبرة جدرانها اليقين، لكن لديك ما يكفي من الشجاعة كي تزدرديه لا أن تبصقه على رؤوس الناس. إنه يعرف، وأنا أعرف أنه يعرف، وهو يعرف أني أعرف أنه يعرف.

 لا تهلع يا أبي ولا تترك الحزن يعتريك، فأنا ابنك والآن وقعنا على صكوك صداقتنا، وأنا هنا، وسأجهز لك قهوتك بنفسي وأرص بيادق الشطرنج بانتظار عودتك، سأنصت لك باهتمام حقيقي، أسمح لك أن تدوس بكبريائك فوق كل انتصاراتي الرخيصة في معاركي الخاوية، وحماقاتي القديمة ترقد مدفونة في الظلام، كحشرة. 
 





الاثنين، 8 يوليو 2013

الغرق في السريالية





 دوائر الدخان تلتف كمشانق حول عنقك عينان زائغتان تدوران تبحثان عن منفضة سجائر تطفئ فيها أحزانك، التقط أنفاسك فصوتهم عال و انت تائه زائغ تتوسل إليهم في غمغمة لها طعم الصمت الخانع ان يكفوا،  لقد بدءوا في قرع النحاس و صب كأس من صلب مصهور سائل صنع تمثالا حاكى فيه "ألبرتو جياكومتي"، قرع الباب ايذاناً بالرحيل و لكن كيف له أن يرحل وهو موصد بأوتاد مثبته الي مركز الأرض، تذكرت وقتها كيف قال له مدرس الدين ذا الشنب المحدد بدقة ان الكعبة هي مركز الأرض وأن أبو بكر الصديق كان يطيل شعره في المقدمة صانعاً " بانك"، قُد جسدك من بازلت ناري داكن قد تصخر قد كون قواطع حادة خشنة غير مشذبة بعض الثقوب صنعت ليمر الريح؛  يصفر.. يصفر في نحيب يصرخ في جزع كلوحة "مونش"، هل وجدوها بعد أن سرقت؟!، وجدوا شاباً وقد لف طعامه في اسكتش "مونش"  وبقايا الزيت قد صنعت بقعاً.. بقعاً خرجت من فم الرجل الذي يصرخ صرخة أبدية، لا تسكت هل انتهى العازفون من التدريب إذن فليغادروا المسرح لقد امتلأت خشبته بآثار أقدامهم الموحلة من المطر.. مطر لحيم صهر الإسفلت وقد غاصت أقدامهم حتى المنتصف. استحالت الي قار تفتت لاحقاً بفعل الشمس، صرخ في ثلة من الصحفيين من أكلى لحوم البشر حاملي الكاميرات هلا تغلقوا عليها الباب وترحموا ضعفها في أيامها الأخيرة ما عاد يصفق لها أحداً سقطت أهدابها على الأرض وقرض الفأر جماهيرها، أصبحوا قطع ليجو غير مكتملة مبتوري الرؤوس، تسللت وسط المقاعد المجلدة بالقطيفة الحمراء المثقوبة بفعل السجائر وحاول أن يهز سيدة جميلة قد تآكلت أطرافها فسقطت على الأرض متناثرة كمانيكان قديم في أحد محلات وسط البلد، محلات مجافية للذوق تسطع بكرنفال غير متناسق من الألوان و الإضاءة، لماذا يداهمه ليلاً و هو يرتعش هذا الحلم العجيب ؟!، فأر عملاق كالكراكن يقضم سور الصين العظيم. قطع ملونة متناثرة في قاع بئر كلما أغمض عينه حاول أن يكمل قطع البازل الناقص، لماذا وقف ليلاً بعد انتهاء مواعيد الزيارة وإسدال الستار و طرد الزوار يقرع الباب بيدين لا يكلا طالباً أن يلقى نظرة على لوحة، أدخله الحارس من خلال مواسير التكييف، تجمد في المنتصف كالألمان وهم على أعتاب ستالينجراد حيث دارت رحى المعركة و تناثرت بقع الدم على الثلج و دقت عظام الرايخ الثالث، دخلت أفواه من القوارض لتُعمل أسنانها في جسده الذي ينتفض من البرودة، حاول أن يلقى نظرة أخيرة من الكوة الي اللوحة ولكنها دموع الموديل تفاعلت مع النسيج و ذابت فيه فتحولت من لوحة كلاسيكية للوحة تأثيرية، ظل يحدق محاولاً تبين الوجه الذي ساح كساعات "دالي"، يتذكر عندما كان صغيراً كان يتسلى بحرق الوجوه البلاستيكية وينتشي وهو يشاهدها تنثنى حتى تخبو النار وينكمش البلاستيك متخشباً صانعاً تكويناً جديداً، وعندما فقد الشعور بقدميه كانت تودعه بنصف فم وأنف متآكل. 

الأحد، 16 يونيو 2013

فلسفة التعري

منذ القِدم قام الإنسان بتشييد الفُلك ليراوغ الطوفان، أما الآن فيعكف على تشييد الطوفان ليراوغ نفسه. قال "فيتجنشتاين" أن الفلسفة هي مقاومة فتنة التفكير باللغة، أما أنا فأقول: الفلسفة هي مقاومة فتنة الطوفان بالتعري، طوبى للمتعرين في وجه طوفان لا ينفك البشر يهرولون صوبه بشغف بغيض، طوبى للتعريات التي تغربل أقنعتهم وتمحو رونقها الزائف، وتطمس ظلالهم.

 التعرية الأولى: لا تقرأ

 لو كنت تعتقد أن الكتب وسيلة لخلاص العالم، وأنها "مضاد حيوي" واسع المجال بإمكانه القضاء على درن البشرية المزمن، وأنها طريقة مثالية لتغيير الواقع وإعادة هيكلة لعلاقة الإنسان بالإنسان وبما حوله، إذا كنت مؤمناً بهذه الأمور فلا تقرأ، إذ سيكون استمرارك في فعل القراءة أشبه بمواصلة السعي نحو خيبة لن تنتهي أبداً طالما هناك نفس الشغف، ستكتشف أن القتلة في هذا العالم هم أقدر الناس على كتابة المراثي -المسيلة للدموع- في ضحاياهم، ستكتشف أن اللص الأبرع هو من يضع يمينه في جيوب الفقراء ويأكل من أجسادهم، بينما يسراه تكتب في خفة ورشاقة عن مآسيهم، وبدلاً من أن تصرخ مع "هولدرين" قائلاً: "ما نفع الشعراء في زمن الضيق؟!"، ستكون خيبتك عنوانها: ما نفع الكتب في زمن الضيق؟!

 كي تكون مثقفاً عليك بدايةً أن تكون إنساناً، أو كما قال د.عبدالوهاب المسيري "المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل، لا يستحق لقب مثقف". الكتب في كثير من الأحايين تكون جداراً بين الشخص والثقافة هذا إن كانت الثقافة: رؤية للعالم يصاحبها سلوك يتفق معها يمتحنها ليعززها، أن تروي ظمأ قطة ضالة هو أحد التجليات الثقافية وليس أن تتجاهلها وأنت تقرأ على المقهى، , ولا سيما عن ركلها بغلظة، الكتب لاتصنع إنساناً ولكنها قد تصنع قناعاً متقناً الصنع للذئاب ليظهروا أقل فزعاً وأكثر ألفة للحملان، ما يصنع الإنسان ويجعله جديراً بإنسانيته هي مواقف باهظة التكاليف يتخذها المرء، ليس فقط أن يكون قانعاً على جزع بل ممتناً لألمها، لأنه لم ولن ينتمي إلى ذاته إلا بقدر ألمه في سبيل خلقها. الألم هو الإشارة الوحيدة الأكثر صدقاً على النمو والحياة، الاستجابة للألم في رأيي هي أكثر الدلائل التي تدعو للتفاؤل في حالات الغيبوبة، هذا الرأي هو على مسئولية مقياس جلاسكو لتقييم الوعي ايضاً، وإلا عليك ان تنتظر أن يخترعوا كتب تصلح ما افسده الواقع لمن يقرأها، أو لها وخزات تصلح مقياساً للوعي.!

 إذا كنت تبحث عن دفء عباءة اليقين فلا تقرأ، فالقراءة لا تقدم جرعة من اليقين كالتي تقدمها مجازا ً لعبة الطاولة. في الطاولة هناك قواعد وهناك دور للحظ معترف بوجوده وهناك نزال واضح بين الخصوم تتحكم فيه رميات النرد، والأهم أن هناك نتيجة معقولة فحتى هزيمتك يمكن تبريرها ويمكن التعويض عنها، ولكن الأسوأ والأغرب من خلو الكتب من اليقين هو افتقارها لمتعة "السؤال" العاصف، الكتب يقين بلا دفء وسؤال بلا أي خطورة أو مغامرة، الكتب أحياناً فاترة، إن كنت تتلمس طريق اليقين العب الطاولة أو أي لعبة أخرى تستهويك وإن كنت تتستجلب السؤال الجيد فاصنع سؤالك كمغامرة تحياها يمكنك أن تخسر في سبيلها أكثر من ثمن كتاب وبضع ساعات، الأسئلة المكرورة المجانية لا يمكن أن تكون ممتعة، الأسئلة والأفكار المستعارة من الآخرين لا يمكن أن تنبت الزهور في تربة روحك، الأسئلة التي يمكنك أن تدعوها جديدة وفريدة هي التي تهرب منها وأنت تهرول عبر السطور وحبر الصفحات المطبوعة، هناك الكثير من الكتب كتبها أصحابهم كأنهم يحفرون قبوراً لأسئلتهم: أحياناً خشية إضاعة العمر بلا جواب وأحياناً أخرى خشية العثور على جواب محبط.!

التعرية الثانية: أصمت حتى اراك

 قال عمنا صلاح جاهين "الكلمة إيد، الكلمة رِجل، الكلمة باب"، ولكنه لم يقل لنا ماذا تفعل هذه اليد. هل تمسك بغابة اشجار أم تغرس فسيلة، ولا إلى أين تتجه هذه القدم؛ نحو الهاوية أم نحو مرتقاها، ولا على أي الأماكن يمررنا الباب؛ على الزنزانة أم على الأفق. قد يتصدق اللص على المساكين ليبدو أكثر طهراً في عيني نفسه، وهكذا قد تقرأ لتبدو أقل جهلاً في عيني نفسك، إن كنت تبحث عن "مكياج" يجعلك أكثر فخراً بنفسك فيما تقابله من مرايا فلا تقرأ، لأن القراءة "مكياج" لا يمكنك أن تأمن عاقبته، يتغلغل في وجهك ولا يكون في وسعك أن تزيله إلا بإزالة الوجه. فالأفضل أن تتصدق بثمن الكتب حتى تحتفظ بالوجه إن أردت. بما أنك خالفت نصيحتي ولم تزل تقرأ حتى هذه اللحظة فإليك أكثر تجليات القراءة التباساً وتمويهاً: ليس بمقدورك أن تقتنع بعدم القراءة إلا بعد تلتهم الكثير من الكتب، هكذا أتحايل -مرغماً- أن أصف لك ارتكاب القراءة كأنجع الوسائل للبرء منها.

على ما يبدو أن سقراط أخطأ حينما قال "تكلم حتى أراك"، فالكلام أقدم المراوغات والوسائل التي صنعها الإنسان ليتخفي، وكأن الإنسان أعجزته الطبيعة عن تطوير آلية للتخفي على المستوى الجسدي كجلد الحرباء فطوّر آلية صوتية للقيام بذلك، صوت الإنسان نظيرٌ لجلد الحرباء. كل الكلمات أقنعة وفيها شبهة واضحة للتصنع سوى "آه"، فلنأتي بسياسي له في الخطابة نصيب الثائر من الغاز والخرطوش ولنلقي بحجر ثقيل على قدمه، هل سيتشدق حينها وتنتفض عروقه وهو يهتف عن الحرية والعدالة والديمقراطية؟!، فقط ستكون استجابته "آآآآآآآآآآآآه"، زفير متطاول لم تساهم في تنغيمه كثير من أحبال جهازه الصوتي التي يرهقها في خطاباته العصماء.! في مقال رائع لجورج أورويل مهندس كابوس الأخ الكبير "1984" بعنوان "السياسة واللغة الإنجليزية" يصل إلى أن " العدو الأكبر للغة هو الرياء والنفاق"، لأنه المحرك الأول لها والحافز الوحيد على استخدامها، إننا نتكلم لأننا ندرك أن الصمت كفيل بتعريتنا أكثر مما نود فنسارع لطمر خجلنا بالكلام، إننا نتكلم لأننا ندرك أن الصمت لا يستر في أوقات كثيرة تلك اللامبالاة التي نشعر بها تجاه الآخرين، إننا نتكلم لأننا في الصمت نسمع من أنفسنا همهمات لا نفهمهما وإن فهمناها لم نتبين مغزاها، إننا نتكلم لأن شعورنا بالوحدة يتفاقم في الصمت ولكننا نرفض أن نهدم جدران الوحدة عبر تواصل حقيقي "ميتا-كلامي" إن جاز تسميته.. لا يحتاج لجسر صوتي هش، وبدلاً من ذلك نسارع إلى "الكلام" لنرسم على الجدران نوافذ وهمية ونتفنن في زخرفتها بالبلاغة، ولربما كان على الوجه الآخر من الجدار إنساناً آخر يسهب في رسم النوافذ الوهمية، ويظل بين الوجهين حائط من العزلة وكثير من نوافذ كلام.!

 الأدهى من أننا حين نتكلم تتردد أصواتنا بين جدران عُزلتنا، والأنكى من أننا نتكلم للسيطرة على ما يراه الآخرين من ذواتنا. الطامة الكبرى أننا حين نتكلم لسنا نحن من يتكلم، نكون بوق لأصداء غيرنا، حناجرنا خزائن نسى فيها أجدادنا متعلقاتهم، حناجرنا اصبحت سلة مهملات يلقي بها الآخرون فضلات أذهانهم فيها، حناجرنا تنطوي على الكثير من الفوضى التي لا نستطيع أن نميز من بينها ما يخصنا، قد تقول ممتدحاً فتاة "انتي بميت راجل" فيكون هنالك صف طويل من أسلافك الذكوريين هم من يتحدثون عبرك، قد تقول "أصاب الهدف" فيكون هنالك صف أطول من أسلافك الصيادين أو المحاربين هم من يتحدثون عبرك، لكي لا تكن بوقاً لصيحات الأسلاف ولكليشيهات شاشات التلفاز وللفضلات الصوتية للعابرين، يتحتم عليك أن تحاكم "الكلام" وتشذبه وتعيد تشكيله، لكن الدائرة المفرغة تكمن في أن رائدك في إعادة صنع "الكلام" هو عقل ساهم "الكلام" نفسه في تشكيل بنيته ومفاهيمه وأحكامه.!

 حين قال سقراط "تكلم حتى أراك" كان يعني "تكلم حتى أظن أنني أراك وحتى أظن فضلاً عن هذا أنني حين أتكلم تراني". الطفل يقوم بالدندنة ليطرد الأشباح التي يتوهمها، ولكن عندما يكبر قليلاً يجتهد في إنضاج "الدندنة" لتصير كلاماً يستعيد به الأشباح التي طردها، إنه يتكلم لا لتراه الأشباح بل ليتوهم أن الأشباح تراه، إنه يمنحها جسداً من الكلام لكي تكفيه مؤونة الخروج بحثاً عمن يؤنس وحشته العضال.! من المألوف أن يخيم الصمت ثقيلاً على جلسة ما، فيبادر أكثرهم في البحث عن أي موضوع وحينها يتشبثون بأوهى خيوط الكلام تشبثَ المنتحر بحبل (النجاة-المشنقة)،لِمَ؟! الصمت يعقد محاكمة نزيهة وحازمة للعلاقات، العلاقة الحقيقية تتعطش للصمت وكأنه اللغة وقد أوجزت فأعجزت، أما العلاقة المفتعلة فلابد لها منها غطاء صوتي يستر عورة المسافة الباردة ويغطي على أنات الذوات الوحيدة، المتجاورة دون تواصل، الصمت إذن مقصلة للروابط الإجتماعية "الزائفة" لكن "الضرورية" لنمط حيواتنا، لذلك يبدو أن الصمت هو لغة لم ينتخبها أغلب البشر لتمثيل أفكارهم ورؤاهم وانفعالاتهم وانتخبوا بدلاً منه "الكلام"، وحدهم العشاق والمتصوفة وبعض الشعراء مَن يدركون أن الصمت هو الرؤية الصافية غير المضببة، وأن "الكلام" منظار معتم ملوث ببصمات قاتمة لعدد لا يحصى من الشفاه. اخرس فلن تخسر بصمتك سوى الكثير من الأشباح، اخرس فهناك احتمال ضئيل -يستحق المحاولة؛ لحدوث المعجزة الأروع والأندر: أن يراك أحدٌ ما!

يتبع..


الخميس، 16 مايو 2013

متلازمة العودة



لدي صديق لطيف، رجل مصري يعيش في آيرلندا مع زوجته وأولاده الذين لا يتحدثون العربية. حياته مكتملة ولا شيء ينقصها تقريبا، حياة مثالية، مثالية الى درجة الروتين. وبسبب حياته المملة في الجنة فهو يجلس طوال اليوم على تويتر والمدونات وفيسبوك، يشغل نفسه بمصر والمصريين، يتحدث عن الثورة، عن الاخوان والسلفيين، والدين، والعلمانية ..إلخ. يتابع الأخبار العربية المصرية والخليجية بأكثر مما يفعل العرب والمصريون. كنت اسأله دوماً باستغراب: لماذا تفعل ذلك؟!، ما قيمة هؤلاء العائشين على الهامش في العالم الحقيقي أو في عالمك؟! لماذا سيندروم العودة، ولو على الڤرتشوال وورلد؟ أنا معجب به، لأنه انتشل نفسه بالدراسة والعمل والزواج وانجاب الأبناء من بركة الوحل المسماة بالعالم العربي، فلماذا يصرّ على العودة؟ كنت أسأله بانزعاج حقيقي وضيق لماذا يختلق كل هذه الصراعات التافهة حوله؟! ما قيمة هؤلاء الرعاع الذين يتابعونه ويشتمونه ويمتدحونه على تويتر؟ إنهم هوام لا وزن لهم في هذا العالم الفسيح. لاشيء عندهم يمنحوه للعالم، دنياهم كلامٌ في الهواء، فقال إنه يتصرف بنوع من الضمير، لديه أفكار معينة، علمانية وليبرالية وديمقراطية، يريد أن ينقلها للناس في العالم الثالث كي “ينتشلهم من الظلام”! أسفتُ على هذا الطبع الأوروپي المثالي، هذه العقلية اليسوعية، الطبع الذي يدفع من يعيشون حياة مثالية في أوروپا إلى السفر لأفريقيا في قوافل الإغاثة الإنسانية، حيث يموتون ميتة تافهة في الأحراش بلا معنى بالأوبئة ورصاصات المليشيات المسلحة.

 صديقي هذا ليس وحده. هناك عشرات الآلاف من المصريين والعرب المهاجرين يجلسون طوال اليوم على تويتر وفيسبوك يتحدثون عن الوطن وهمومه، يحلمون بانصلاح الحال، يحركهم الحنين إلى الماضي، يفتقدون أشياء كثيرة، أشياء تافهة وحتى قذرة، لأنها تنتمي إلى قطعة الأرض المسماة بالوطن. كلهم خرجوا مضطرين، خرجوا مجروحين، يطاردهم الفشل المالي والأكاديمي والقهر الأمني والاضطهاد الديني والحصار الاجتماعي والجنساني والمنع والمصادرة والترهيب، كلهم خرجوا ناقمين، لكنهم لم يخرجوا أسوياء، بل شائهين مختلين. مثل محب ضعيف الشخصية مطعون في كرامته، يعبث به محبوبه ويتلاعب به، يلقيه حين يشاء ويستعيده وقت يشاء ثم يرميه مجدداً، حبه يعجزه عن بتر هذه العلاقة المريضة، باقٍ على المحبة، غير قادر على إغلاق قلبه، يترك دائماً باباً صغيراً موارباً في القلب ليعود المحبوب السادي منه كل مرّة ليعيث فساداً وتقطيعاً، ثم يخرج. يفتشون عن رفقاء الوطن في الغربة، يحتمون ببعضهم البعض كالفئران المذعورة، يبحثون عن مصر في أكلة أو غنوة، في حساب على تويتر، في صورة على فيسبوك. كل من سافروا ناقمين وحققوا إنجازاً ما، تركوا هذا الباب الموارب في القلب، ليعود منه الوطن من جديد، ليبعث كالعنقاء من الرماد، يصحو ويتمطى ويتثاءب ويعوي وينفث السُّم والمرض والجراد والضفادع والشر من جديد. صدقني يا صديقي، أنا لا أفهم لماذا عاد البرادعي بعد كل هذه العقود الطويلة من ڤيينا، بعد المنصب الدولي المحترم ونوبل والتكريم والحياة النظيفة الناجحة المسالمة ليصبح كعم "شكشك"، مسخاً فرانكستاني الملامح وضيفاً هو وابنته الجميلة على محطات المسخرة والحقارة؟! لماذا عاد زويل من أرقى جامعة في العالم متمسكاً بقطعة الأرض الضيقة هذه التي لا يحتاج إليها لا هو ولا مصر فيقحم نفسه في معركة صغيرة دنيئة جعلته مهاناً موصوماً باللصوصية مضغة في الأفواه؟! لماذا عاد فاروق الباز بمشروع ممر التنمية كي يقلب عليه الصحفيين الاشتراكيين الأوساخ وأحقاد زملاء الجامعة القدامى فيلطخونه باتهامات العمالة والنصب والفساد؟! لماذا جاء سير مجدي يعقوب ليفتتح مركز القلب بأسوان فتطارده قضايا تجارة القلوب ونقل الأعضاء؟! لماذا عادوا ولا أحد يريدهم، والجميع يمقتونهم لشهرتهم وثرائهم ونجاحهم؟! لقد عادوا لا ليخدموا الوطن، حتى ولو كان هذا هو السبب المُعلن. لقد رجعوا لأنهم بحاجة إلى تتمة. خرجوا لا يحملون إلا حقيبة ملابسهم موجوعين ينزفون هزيمة ويريدون أن يعودوا فرساناً مكللين بالغار، لم يغفروا الركلة التي كانت قاصمة للظهر، يتحسسون في وجوههم محل اللطمة. كلهم إما هربوا من الحصار أو انطردوا محمّلين بالشتائم واللعنات، آلاف الأكاديميين الأطباء والمهندسين والمبدعين هربوا من الجامعات بعد معركة طويلة مع أساتذتهم الحقودين، پروفيسيرات تحطيم العقلية والشخصية والمستقبل والسمعة والكيان، آلاف من أبناء الأسر التي صودرت أموالها فهاجروا ليصنعوا حياتهم من جديد، وآلاف من البسطاء هربوا من الفقر ونحتوا الصخر وتحولوا إلى مليونيرات، مئات الآلاف من اليهود والمسيحيين والبهائيين والملحدين والمثليين، كلهم خرجوا ممرورين تعشش الكآبة والنقمة على الوطن في صدورهم. سافروا، أقسموا إن نجحوا لن يعودوا. معركتهم لم تكن مع النظام، وإنما مع السيستم، التركيبة الاجتماعية والاقتصادية كلها كريهة.

   لكن العقود تتالت ومرت، ونجحوا نجاحاً عظيماً، تقلدوا فيه نياشين الآدمية والكرامة، وعادوا، كأن الوطن داء في نفوسهم وأبدانهم مكين، عادوا يأكلهم الحنين، وقد أمدهم الاطمئنان إلى ذواتهم الجديدة بالغفلة والاسترخاء، عادوا، يتشممون رائحة المجاري ويملأون صدورهم بالتراب، عادوا إلى قوانين الحسبة والتكفير وقذارة مخبر الپوليس، والبناء الاجتماعي الخانق الذي يصنعه العساكر والبطاركة والشيوخ، عادوا، لتطاردهم صحافة الفضائح والضرائب والاشتراكية ونميمة المعارف والحقد الطبقي، عادوا إلى الشرب من نهر النيل، ليستحموا في الطين، عادوا إلى البلهارسيا والإنكلستوما والدوسنتاريا، إلى هواء القاهرة الملوث بالعادم والكربون والرصاص، والأغيار والمتشردين والمتسولين وسكان العشوائيات، إلى الأكاذيب في الصحف والفضائيات، والأعمال الفنية الفقيرة الجوفاء، من سينما ومسرح ورواية، إلى حيث يتحكم موظف الحكومة البيروقراطي الحقير في عالمك من أوله لآخره، ويقرر مصيرك كاهن جاهل شيخاً كان أو قسيساً يتلقى الأوامر والتعاليم من شبح السماء، عادوا وفي قلوبهم مرض، اسمه الوطن، لأنهم بحاجة إلى تتمة، إلى مصالحة نهائية مع ماضٍ حي كالجرح المفتوح، إلى انتزاع اعتراف ما بالجدارة من قِبل هؤلاء الذين ظلموهم وأخرجوهم مطرودين. هذا الداء، داء "الاحتياج إلى تتمة" هو ما يقضي على كل ما حققوه في "الغربة"، الغربة التي هي وطنهم الحقيقي، داء يحيل بشراً عظماء خارقي الإنجاز في عين العالم الغربي إلى مسوخ جروتسيكية في أوطانهم. لاشيء ينتظرك في العالم العربي إلا التهكم والتدمير والحقارة والتنمر، إلا الاتساخ بالطين، لأن أهل وطنك أوساخ غارقين في الوحل يبحثون عمّن يرفل في الجمال والنظافة والسعادة ليجذبوه إلى الوحل معهم. ثق أيها الپيوريتاني العائد من الشمال، يا من تبحث عن تتمة، عن إجابة لتساؤلاتك المرة، عن انتزاع اعتراف شافٍ بالقيمة والجدارة، عن خياطة لجرحك المفتوح، أن قُرح الفراش السامة إن تمكنت من عضو، لا علاج لها إلا البتر.

الخميس، 9 مايو 2013

تحليق منخفض







في الحديقة العامة تحت شجرة كبيرة يجلس كعادته ليحدّق في أوجه العابرين وملابسهم وأحذيتهم، ومن ثمّ يتنقل بنظره إلى أسراب العصافير التي تحط حوله تارة وتحوم مبتعدة عنه تارة أخرى، وبعد أن يخلو الطريق المقابل لمقعده من العابرين وتحلّق أسراب العصافير كلها فجأة، ينتهزُ الفرصة ليعود إلى صفحة الكتاب التي توقف عندها ليلة البارحة، يقرأ سطراً أو سطرين على عجل، ومن ثم يعود مجدداً ويحدّق في أحد العابرين أو ليلتفت إلى أحدهم وقد جاء ليجلس على مقعد من المقاعدِ التي تجاوره.

اعتاد على المجيء إلى هنا كل صباح يوم جمعة، وأصبح عنده من الخبرة ما يكفي ليميز أياً من هؤلاء الجالسين على المقاعد التي تجاور مقعده ينتظر أحداً ما، وأيّهم جاء ليجلس وحدهُ هارباً من أحد ما، لكنه كثيراً ما يحار في أمر هؤلاء الذين يجلسون وحدهم بصمت فاضح وبعينين حزينتين وجسد منهك وهزيل، ويحار في أمر أنفاسهم الموحشة التي تتسلل إلى مسمعه وتجبره بشدة على أن يلتفت إليهم مراراً، وفي كل مرة يحار فيها في أمر أحدٍ من هؤلاء تراوده أفكار في أن يقوم إليه ليجلس إلى جانبه ومن ثمّ يخبره بأنه ليس الوحيد الذي يشعر في الوحدة، وأن الوحدة تافهة هلامية لا وجود لها إذا ما أيقن بأن هناك حتماً من هو وحيدٌ مثله في هذا العالم، وحتى لو كان بعيداً عنه، فهو يشاركه عبءَ هذه الوحدة القاتلة. لكنّه سرعان ما كان يدفن أفكاره جانباً ، ويعود – وحده-ليحدّق في أوجه المارة القاسية وأسراب العصافير الهاربة.

الثلاثاء، 7 مايو 2013

تبادل أدوار






سقطت من عينيها لآلئ الدموع وراحت تنظر لي بدفء، شعرت أننى لا أستقبله بل أستدعيه، هذا المشهد كله يبدو كذكرى دافئة تبعث ألماً خفيفاً.  تجلس مستلقية على فراشها تختبىء تحت الأغطية كقطة، تتحدث عما يجرى وما قد جرى، وأنا جالس على الكرسي المقابل أشعر بطعنة كلما سمعتها تقول شيئاً مألوفاً، أرتجف، فأنا أشعر ببرد دائم، وتراقبنى هى ويرتسم على وجهها تعبير يدل على قلة الحيلة، أشعر بجسمى متصلباً فى البداية ثم ما يلبث أن يلين تدريجياً وأنا أسمعها وهى تستدعى أيام "شم النسيم" عندما كان الجميع يلتف حول الراديو فى انتظار أغنية "حليم" الجديدة، وتعقب: " لقد كانت أياماً دافئة "، ابتسم فتبتسم و قد لان وجهانا، أقل لها: " تحدثى بصوت أعلى حتى أتأكد أنى لست وحدى"، أبدو كعجوز فى السبعين من عمره بينما يتناقص عمرها تدريجياً كلما استطردت فى الحديث عن الأمس أنا أيضاَ أشعر برغبة فى الحديث عن الأمس، ولكن للأسف لم يبق منه سوى صور مشوهة، نهايات أفسدت تفاصيل أحببتها ووجوه لم أعد أعرفها، أقل لها: " تحدثى بصوت أعلى كى لا أتلاشى"، تقل لى: "بعض من الألوان ستجعلك أفضل"، أنظر فى المراّه فألاحظ أننى صرت لا أرتدى سوى اللون الرمادى، وصرت أعانى من صداعاً نصفياً مميتاً لا أعرف له لوناً، أقل لها : " تحدثى بصوت أعلى حتى أجد سبباً للامتنان"، أنا.. أنا أخاف من أبُث شكواى إلى الله ، أنا أخاف من الله و كنتُ يوماً أحبه أكثر، أخشى أن تترد هذه الأفكار كثيراً فى رأسى ، أنا أشعر بالهزيمة، فأقل لها: "تحدثى بصوت أعلى حتى لا يأتى الغد خالياً مني".