‏إظهار الرسائل ذات التسميات Literature and Philosophy. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Literature and Philosophy. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 13 مارس 2014

أنبياء مقموعين

الله حظ النبي. 
~محمود درويش


لا ينعم مجتمع بشري بالسكينة والاستقرار إلا بقدر افتقاره إلى الأنبياء؛ في كل مرة تتصفح فيها جريدة ما أو تستلقي أمام الشاشة، إلا ويطل عليك وجه أحد من بني آدم كله رغبة وحماس في أن يعطيك دروساًً فيما يجب وما لا يجب. إنه مهووس بفكرة ما، وهذا كاف لكي ينغّص على الآخرين حياتهم. من خلال علاقاتي بالبشر، لم يسبق لي، إلا قليلاً، أن التقيت إنساناًً بدون ميول نبوية. كل فرد، بقالاًً كان أم فيلسوفاً، يزعم بأنه يمتلك تصورات واضحة جداً عما يمكن أن يعنيه الخير أو الشر؛ وما إن تجلس إلى أحدهم حتى يمرر لك انطباعاً بأنه نبي مقموع، وبأن الآخرين مصابون بلعنة الحرمان من وصفاته السحرية بالغة العبقرية حول السعادة الدنيوية أو الخلاص الأخروي. إنه يعتقد بأنه لمجرد كونه ثرثاراً يجب على الآخرين أن يزحفوا خلفه زحفاً.

 منذ موسى ونحن نرزح تحت عبء النبوة. بدأت الحكاية بعشر وصايا بسيطة لتتحول على مدى قرون من الزمن إلى أنساق ميتافيزيقية جبارة لا يوازيها في كثرتها الفاحشة إلا حالات فشلها الذريع في إيجاد حل لمشاكل الوضع الإنساني. من أين يأتي داء النبوة هذا؟! إنه يأتي من داء عميق: داء القيادة -الكل يريد أن يكون وصيّاً على الكل. ويأتي أيضاً من التقدير المفرط للذات: كل واحد منا يعتقد بأن وجوده في هذا العالم ترتيب إلهي أو ضرورة تاريخية، وبأنه ما جيء به إلى هذه الدنيا إلا رحمة بالعالمين. الإنسان لا يتحمل حياته الخاصة، لذلك يتملص منها بالتدخل في شؤون الآخرين. وبهذا نجعل من كل تجمع بشري جحيماً لا يطاق: الكل ينتظر دوره كي يقترح شيئاً ما أو يُصنّف شخصاً. إن المرء يدفع الثمن غالياً عندما يرفض العيش في الصحراء.

 من أين يأتي هذا الاكتساح من لدن الأنبياء لمجتمعاتنا؟ إنه يأتي من رفضنا لمحدودية الحياة -أي كونها لا تستطيع أن تعطي أكثر مما تملك- وربما يأتي أيضاً من رغبتنا الشديدة في بناء الفردوس هنا والآن، أو من العطش الشديد للمجد واحتلال مركز الأشياء. الإنسان الذي يبصر نفسه جيداً، لا يتجاوز أبداً الحدود المُشَكِّلة لحياته الخاصة، لِمَ عليه أن يهتم لوضع الآخرين وهو لديه ما يكفي ويزيد من العدم والعبث، ولديه موعد يومي مع صراع نفسي عنيف بين ما هو عليه (حدود إمكانياته الحقيقية) وبين ما يتمناه وما يفرضه عليه الواقع (المسموح)، مما يدفعه لوضع الكثير من الخطط والميكانيزمات، وذلك ليحافظ على توازنه النفسي وعدم الإنهيار إلى السفح بجنون. إن النبل بمعناه الأعمق لا يوجد إلا عندما يتموضع المرء على هامش الوجود. والحق أنه لو كانت للإنسان صورة واضحة عن لا جدوى وجوده، وعرف بأن العالم يسير دائماً نحو الأفضل عندما يحجم هو عن الانخراط فيه، لربما تحققت الفردوس على هذه الأرض.

 في مقابل كل نبي تقريباً يوجد نبي مضاد. لكل منهم فروضه التي هي على النقيض التام من طروحات الآخر؛ هذا يبشر بالحداثة وذاك بالخلاص وآخر بنهاية التاريخ، واللائحة تكاد لا تنتهي. كيف لأي شخص يتمتع بالتبصر ورجاحة العقل أن يعثر على ضالته في هذا الزخم المبالغ فيه من "الحقائق" التي يبشر بها الأنبياء؟! بمجرد ما تتبع واحداً منهم، تثبت على نحو لاشك فيه، انك لم تستوعب حقيقة ما يجري حولك. لا ينبثق نبي من هذا الوجود إلا وتزداد الأمور سوءاً، ولا يغادره إلا بعد أن يثقل كاهله بالمزيد من الرموز والتعاليم، ويحقنه بجرعة أخرى من البؤس والمعاناة. ميراث الأنبياء؟! حروب وأنهار من الدماء، وطوائف متناحرة، ومحاكم تفتيش، وأشباه قضايا، وأحقاد، وضغائن مضمرة، إنهم باختصار يتركون خلفهم- ويا لسخرية الأقدار- كل أسباب الجحيم.

 نحن لا ننفك أبداً نسير وراء هذا النبي أو ذاك؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنه قد مات فينا أشد ما يميزنا: الارتياب والقدرة على التهكم. وذلك أنه لولا عمى القطيع وتعلقه المرضي بأكذوبة الخلاص لما قامت لنبي قائمة. مراجعة خفيفة للتاريخ البشري، بما فيه من السخافات السوداء والهزليات الدامية، تبين للمرء بأن كل رغبة في لعب دور المنقذ والمُخلّص هي رغبة شاذة وتصرف غير ناضج للعقل.

***

 لا شيء يفضح عقم أفكارنا وضحالة تصوراتنا ولا جدوى سياساتنا في تدبير كياننا أكثر من البرامج الحوارية التي تعرض على شاشتنا. في الثلاث سنوات الأخيرة شاهدت من حين لآخر بعض البرامج الحوارية؛ مع الانتهاء من مشاهدة كل حلقة، لا أخرج بأي فكرة أو تصور خلّاق أو إشارة ذكية؛ كل ما يتبقى لي هو اضطراب في الرؤية أو تشوش في الذهن، ناهيك عما يرافق ذلك من استجلاب للكآبة وخيبة الأمل. البرنامج الحواري ملتقى لأربعة نماذج من المثقفين العرب: هناك القومي والإسلامي والحداثي وهناك المثقف المحسوب على دوائر السلطة وصنع القرار. رغم كل الجدل العقيم والنقاشات الحامية التي يثيرها هؤلاء المثقفون، ورغم كل الغيرة التي يبدونها إزاء الله أو الوطن أو الملك، فإن الخطابات الأيديولوجية لهؤلاء المثقفين تتكدس بالأوهام والمغالطات والمفارقات والتناقضات٬ ولا يوازيها في هذا الحجم من الخلط والعبث إلا تخبطات هؤلاء المثقفين أنفسهم.

الهوية

الهوية باختصار شديد مفهوم ميتافيزيقي يقوم على الاعتقاد بأن هناك ذاتاً قائمة مستقلة بنفسها، حاملة لمجموعة من الخصائص التي لا تتغير بتغير المكان أو الزمان. وبالتالي فإن كل ما يختلف عن هذه الخصائص أو يناقضها فهو غريب، دخيل، شائب، وغير أصيل وربما خائن. ولا غرابة في أن نجد هذا المفهوم مبسوطاً على كل صفحة من صفحات الخطابات الأصولية بنوعيها الديني والقومي. لا تكون النرجسية الدينية والعنصرية العرقية ممكنة إلا بالتغني بكيان هلامي مفترض، نسينا من كثرة ترداده على الألسنة وحفظه في الأذهان بأنه مجرد كيان افتراضي، نسميه مرة بالهوية الدينية ومرة أخرى بالهوية العربية ومرة بالهوية المصرية وهكذا دواليك... كلما ضاقت الدائرة وزاد التمركز على الذات بزغت هوية جديدة. هذا المفهوم يفرض عليّ أن ألتزم بمنظومة من الرؤى والمعتقدات والأخلاق/السلوكيات فقط لأنني ولدت ضمن الحدود الثقافية والسياسية لهذه المنظومة أو تلك. بالنسبة إلي لن أقف تحت أية لافتة ثقافية أو قومية ولن أندرج تحت أي عنوان مهما كان، وكل هذا للأسباب التالية: أولاً، لأنني شخص "فرد"؛ مما يعني بأن وجودي لا يمكن أبداً أن يختزل في رقم أو اسم أو أي شيء يقبل التنميط أو الترتيب أو التسمية. ثانياً، يريدني مفهوم الهوية أن أكون رهناً لشيء لم أختره فيما أنا أكره الارتهان والقولبة والخضوع والتشيُّؤ، إنني لا أتحرك على أرض الوجود إلا وفق استراتيجيات الاختيار والانتقاء والتذوق، وبالطريقة نفسها التي أختار بها طعامي أختار بها أيضاً أفكاري وتصوراتي. كل ما يسبب لي عسراً في الهضم أو يستثير في رغبة في الكسل والتراخي أبعده عن مائدتي.

 المثقف الديني هو الأطروحة المضادة لكل ما سلف ذكره. إنه يريدني أن أخضع نفسي لدين صحيح، مبين، صاف، حقيقي، لا وجود له إلا في مخيلته هو. وأنا أرفض هذا الطرح لسببين: أولاً، الدين ليس علماً دقيقاً (science exact) يمكن أن نتعامل معه بمعايير الصحة والخطأ أو القابلية للتحقق وعدم القابلية للتحقق (verifiability principle)، فمعظم القضايا المطروحة على الساحة الدينية هي إما أشباه قضايا (كصراعات السنة والشيعة مثلاً) أو اصطدامات مع حركة التاريخ تتجلى في توجهات صوفية خيالية وأخرى رجعية حالكة الظلام. ثانياً، إذا كان هناك شيء يمكن تسميته بـ"الإسلام الصحيح" على سبيل المثال ويمكن أن نكتبه بالحرف الكبير، فأي نموذج نختار من بين القوالب المعروضة أمامنا؟! هل نختار إسلام طالبان أم إسلام الإخوان المسلمين أم إسلام آبائنا وأجدادنا أم إسلام المعتنقين الجدد من أوربيين وأمريكيين وغيرهم؟ ما أفهمه من مصطلح "الدين" هو نسيج من القناعات شديدة الخصوصية والمسلَّمات وطرائق في الفعل والنظر تلونت بألوان الزمان والمكان وتشكلت باختلاف الذوات والإرادات. والنتيجة المباشرة المنطقية لتلك المقدمات هو أنه لا وجود لأي نموذج حضاري-تاريخي، مثالي، يتعالى على النقد والمساءلة.

 إرادة العقيدة أم إرادة المعرفة؟

لا يريدنا المثقف الديني أن نتعب، كل مشاكلنا ومآزقنا وسقطاتنا يجد لها هو الحل في الشعار التالي: "الدين/الشريعة هي الحل". هذا الشعار البرّاق، بالإضافة إلى قاعدة شعبية تتشكل من جيوش جرارة من المتعصبين والبائسين والبسطاء، مما يدفع المثقف الديني إلى تصدر واجهة الحدث والخبر مما يوهم العامة من الناس بأنه سبيل خلاصهم (المخلِّص) أو المهدي المنتظر. لكن تاريخ الفكر علَّمنا بأن الأفكار الكبرى لا تقاس بمدى تسويقها شعبياً ولدى الجماهير أو بمدى سيطرتها على المشهد الإعلامي، بل تقاس بمدى تطابقها مع القوانين الكونية وسنن الحياة. وإلا أصبحت رجعية بالمعنى المعرفي للكلمة. إنه يريد منا أن نضرب بعرض الحائط كل التراكمات الحضارية التي تحققت في أساليب الفكر والكشف والنظر والمعالجة، وأن نعود في شكل حركة تاريخية عكسية إلى أساليب القرن السابع الميلادي. وفي الواقع أنه لا وجود لحوار فكري-نقدي ممكن معه؛ لأنه شخص تسيطر عليه إرادة العقيدة أكثر من إرادة الحق والمعرفة، ولاعتقاده بأن كل الأجوبة عن الأسئلة الوجودية لا توجد إلا بين دفتي كتاب مقدس أو في تفاصيل سيرة ذاتية كريمة، فإنه لا حاجة له في أن يتكبد مشاق النظر وجهود الفكر.

 نظرية المؤامرة

 يرد أغلب المثقفين العرب كل شرور العالم إما إلى الشيطان فهو المشجب الأقرب ليعلقوا أي شيء يفشلون في احتوائه ومواجهته وإما إلى اليهود فالعداء معهم مقدس، بل في أغلب الأحيان لا ترد إلا لهؤلاء. كل زلزال اجتماعي عنيف هو من صنع اليهود وكيدهم، سواء تعلق الأمر بإصلاح المناهج التعليمية، أو مدونة الأحوال الشخصية أو بحقوق الأقلية، حتى ميل الشباب إلى موسيقى مثل الروك أو الميتال هو صناعة يهودية بامتياز!! والحق أن مفهوم "اليهود" في الخيال العربي بشكل عام هو من الاتساع والمرونة بحيث يمكن أن يحوي كل ما هو غريب، نجس، شيطاني، مارق، ومرتد. ولذا فهو يتسع اتساع الكون للخونة والكفار والمسيحيين والعملاء والمخالفين في الرأي والعقيدة، والفلاسفة بكل ألوانهم واتجاهاتهم، بل إنه يتسع حتى لبعض المسلمين أنفسهم! والحق أن سيطرة نظرية المؤامرة على الخيال العربي -الديني على وجه الخصوص ليست جديدة، فهي تعود إلى أيام عبد الله بن سبأ وما فعلته هذه الشخصية الأسطورية بدين المسلمين، مروراً بأقطاب الأصوليين القدامى كالغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وحربهم على العلوم الدخيلة، تم انتهاء بالأصوليين الجدد الذين يكادون يمزقون حناجرهم بمحاضراتهم حول الغزو الفكري وصدام الحضارات. والحق أن الأفكار الخلاقة التي توافق قوانين النفس وتتلاءم و نواميس الكون لا تغزو بلداً ولا تحرق شجراً ولا تفسد بشراً، وما نسمع به من "غزو فكري" و "صدام حضارات" إنما هو في حقيقته غزو أصوليات و صدام جهالات. من وجهة نظر نفسية، لا تسيطر نظرية المؤامرة إلا على العقول الضعيفة والنفوس العاجزة. عجزها عن مواجهة التحديات وارتباكها أمام القضايا والإشكاليات يدفع هذه النفوس الضعيفة إلى تعليق عيوب الذات على مشجب الغير.

 النقد الفعال أم النقض الهدام؟

 لا همَّ للمثقف المصري خاصةً الذي يحضر حلقة من حلقات الحوار إلا إظهار محاوره بمظهر الجاهل والسطحي. مهما أطال المحاور في القول واستفاض في الشرح فإن الآخر لا يتكلف حتى عناء الإنصات والمشاركة، بل إن كل ما يُحسن فعله هو تقييم طروحات غيره في أحكام قيمية لا تقوِّي فهماً ولا تزيد علماً. يكفي فقط أن تتفحص ملامح أحد المتناظرين أو تنظر إلى الهيئة التي يتموضع بها على الكرسي لكي تستنتج بأن الرجل لا يهمه رفع التباس عن قضية ولا إلقاء مزيد من الضوء على إشكالية. والحق أن النقد بالمعنى الكانطي للكلمة مُعْدَمُ الممارسة في حلقات تلكم البرامج. وللذين لا يعرفون معنى النقد الكانطي نقول بأنه نقد لا يرمي إلى هدم أو دحض أو كشف عورة، بل هو تقليب القضية من كل وجوهها لتحديد إمكاناتها وحدودها، أي نقاط قوتها ومكامن ضعفها. والنقد بهذا المعنى هو شريان الحياة بالنسبة للأفكار الكبرى من ديموقراطية وعلمانية وعلوم طبيعية وأخرى إنسانية. والنقد بالمعنى العلمي هو فحص النظريات واختبار الفرضيات، وبالمعنى الفلسفي هو تفكيك المقالات وإلقاء الضوء على تناقضات الأيديولوجيات والشعارات، أما على الصعيد الوجودي فالنقد كما أفهمه وأؤوله هو اجتراح تقنيات مبتكرة في التفكير والتعبير، وفتح أراض واسعة للنظر والمساءلة، ناهيك عن خلق قنوات جديدة للتحاور مع الوجود والحقيقة أو مع الذات والعالم.

 نرجسية المثقف

للمثقف شخصيتان، شخصية دعائية مدعية للتسويق واصطياد الأشياع والأتباع، وتتشكل هذه الشخصية من التوجه الأيديولوجي و" التحصيل العلمي" و" الرصيد الفكري"؛ وهذا كله يمثل، للأسف، كل ما هو سطحي ومضاف إلى شخصيته الحقيقية. وهناك الشخصية الأساسية التي تمثل أسوء ما فيه؛ أي أنها تتشكل من مجموع الترسبات والتراكمات التاريخية التي تميز الثقافة الشرقية باستبدادها و تعصبها. و الحق أن خطاب المثقف العربي يقدم هذا المثقف و كأنه مدافع عن الملة أو منافح عن العقيدة أو حارس للحقوق والقيم، ولكن هذا كله ليس إلا ظاهر خطابه، فيما عمقه ينطوي على أشياء مضادة مطلقاً لكل ما يدعو إليه. فالمثقف الإسلامي، مثلا، يرفع شعار "لا حكم إلا لله"؛ وبهذا الشعار يمارس المثقف الإسلامي من المكر و التلبيس ما لا يتفطن إليه الكثير من الناس. وجه المكر والتلبيس هنا يكمن أولاً في أن هذا المثقف يحجب "طبيعة السلطة وإنسانيتها"، ويكمن ثانياً في أنه فيما يدعوك إلى التوبة أو التسليم أو الرجوع إلى الحق والأصول، فإنه في الحقيقة لا يمارس عليك إلا سلطته هو؛ أي أنه لا يفرض عليك إلا تصوره وفهمه وإرادته. وهذا هو شأن الدعاة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فما يظهره الداعية هو الدفاع عن الحق والخلق أو حراسة الذاكرة والهوية لكن ما يخفيه هو أنه يدافع عن تأويله هو للكائن والكينونة أو فرض ذاته وكيانه على الآخرين، ناهيك عما يترتب عن ذلك من تصرفه إزاء غيره كنبي أو مهدي أو مخلًِص.

 جموح الإسلاميين وارتباك الحداثيين

 رغم كل التعصب والانغلاق والتمركز والتعالي والنرجسية والاصطفاء الذي يظهره الإسلاميون إزاء المختلف عنهم في الرأي والعقيدة فإن لهم بعض المحاسن التي يحمدون عليها، ومن بين هذه المحاسن الوضوح والجسارة. يكمن وضوحهم في أنهم لا يريدون منهجا حضارياً بديلاً عن الإسلام. الإسلام ولا شيء غير الإسلام. إنهم واضحون إزاء كل شيء من الديموقراطية إلى الموسيقى. بأي منبر من منابرهم تحل لن تسمع إلا المواقف نفسها: الديمقراطية كفر وإلحاد، العلمانية دعوة للفسق والمجون، الفلسفة تغريب وزندقة، أما الرسم والموسيقى فهما بدعتان من بدع عزازيل. هذا هو وضوحهم، أما جسارتهم فتكمن في ضربهم بعرض الحائط كل المواثيق الدولية والمعاهدات الكونية. كل النماذج الحضارية، أكانت نماذج يابانية أم كندية أم سويدية لا تساوي عند أصوليينا الجدد جناح بعوضة. أما أمر الحداثيين فإنه يدعو إلى الشفقة. مقولات الحداثة وتصوراتها حول الحرية والفردانية تستهويهم أيما استهواء لكن المساكين لا يملكون ما يكفي من الجرأة و الجسارة للقيام بقطيعة معرفية مع تراثنا القروسطي بقيمه البدوية الخانقة وأعمدته الإجتماعية والثقافية المتهالكة. خوفهم من أن يُتهموا بالإلحاد والتغريب والارتداد يدفعهم إلى خلق خطاب ملفق هجين لا هو بإسلامي صريح ولا هو بحداثي خلاق مجرد خطاب هلامي. حداثيونا يريدون أن يقوموا بعملية جراحية حضارية شبه مستحيلة؛ إنهم يريدون أن يؤسسوا نظاماً ديمقراطياً لكن بدون أن يمسوا شيئاً من سلطات الملك! مجاملات الحداثيين ودغدغتهم لمشاعر الإسلاميين تجر هؤلاء الحداثيين إلى خوض معركة التحديث والإصلاح بموازين ليست في صالحهم؛ ذلك أنه عندما يعلن الحداثيون بأن الحداثة بفلسفتها التحررية وديمقراطيتها وعلمانيتها لا تتعارض وجوهر الإسلام، فإن هذا الموقف بالذات هو ما يصيبهم في مقتل. يرد الإسلاميون، وهم محقون في ذلك، على الحداثيين قائلين لهم " بما أن الحداثة، كما تزعمون، لا تتعارض في شيء مع ديننا الحنيف، فلماذا إذن نترك ما هو متجذر متأصل في ثقافتنا ونستنبت فيها ما هو غريب و دخيل عليها ؟ !".

 بوق النظام

 لا جديد عند مثقفي السلطة في وطننا العربي، إنهم لا يجيدون إلا المدح ومسح الأحذية. لا يفتح مثقف السلطة عندنا، فمه إلا في ثلاث حالات: إما ليتغنى بمنجزات هذا الملك أو ذاك الزعيم وإما ليُشيطن معارضي النظام المحسوب عليه أو عند طبيب الأسنان. كل ما يوجد في أوطاننا من بؤس، واحتياج، وأمية، ولا مساواة، وتخلف، وقلاقل هو في نظر مثقفي السدة العالية إما من فعل "الخونة" أو "المرتزقة" أو "العملاء" أو "الحاقدين". وعندما تطلب منهم تفسيراً لتلك الفضائح التي يخرج علينا بها أسيادهم بين الفينة والأخرى، والتي تأخذ مرة صورة توريث للحكم أو نهب للمال العام ومرة أخرى صورة تعديل لا دستوري للدستور أو تضييق على الأشخاص أو الأفكار أو الحريات، يجيبونك بمنطقهم السفسطائي المتهافت الذي لا يكاد ولو لمرة واحدة، يخلو من المقدمات المتهافتة والتبريرات الواهية والكذب السافر. و لا عجب في الأمر، فلا شيء أكثر وضوحاً وأهمية بالنسبة لمثقف السلطة أكثر من علاقة المصلحة التي تربطه بالنظام السياسي المحسوب عليه، كلما كان النظام أكثر سخاء زادت استماتة هذا المثقف في الدفاع عن هذا النظام. و الحق أن مثقف السلطة في وطننا العربي، وبالرغم من كل مآخذنا على ما يظهر منه من نفاق وازدواجية وتملق، قد أثبت بأنه جدير ليس بالدفاع عن هذا الزعيم أو ذاك السلطان فقط بل يمكنه أن يدافع حتى عن الشيطان ! و مهارات مثقفي السلطة لا تخفى على أحد، فعندما يبدؤون في التحدث عن المنجزات التي حققتها أنظمتهم، على قلتها ومحدوديتها، تجدهم ينفخون في النسب والأرقام والمعدلات إلى الحد الذي يجعلك تتساءل مع نفسك ما إذا كنت تعيش في السويد أم في بلد من بلدان العالم الثالث! وأما عندما يتطرقون للتحديات والمسؤوليات الجسام التي يجب أن تنهض بها أنظمتهم، فإنهم لا يفعلون أكثر مما كان يفعله بروكوست: تقزيم الأحداث وبتر الوقائع وتشويه الحقيقة والتاريخ. والحق أن تناقضات مثقفينا العرب بكل أطيافهم تضع المرء في حيرة من أمره، فهو عندما ينظر في تخبطاتهم في القول والفعل، ناهيك عن ألسنتهم البديئة ومنطقهم الأعوج، لابد أن يتوقف لبعض الوقت حتى يلتقط أنفاسه و يفهم ما يجري بالضبط على بلاتوه البرامج الحوارية: هل الأمر يتعلق بنفاق سياسي، أم بانفصام في الشخصية، أم بنقص في الذاكرة، أم بضعف في البصر والبصيرة؟ أم ماذا؟!

 التلفزيون في تصورنا المشترك أداة للترفيه والتسلية، و لكن يمكننا أيضا أن نجعل منه أداة للتثقيف والتنوير. وهذا ما لا تفعله الأغلبية الساحقة من قنوات تلفزيوننا العربي، بل الأنكى من ذلك أنها لا تفعل إلا العكس: تسطيح فكر الإنسان العربي و تبليد حسه بإغراقه في بحر من البرامج التي لا تُعنى إلا بالفنون الواطية والصناعات الهابطة. قنوات هز البطون وقنوات الدعاة والداعيات لا تختلف إلا في المظهر واللغة، أما من حيث التصور الكوني والأيديولوجي فهما توأمان سياميان؛ كلها قنوات تريد تقزيم كيان الإنسان في كائن تافه، بهيمي، مكبوت، عصابي، لا يسكنه إلا نزق الشهوة أو الإحساس بالذنب والخطيئة.

الخميس، 5 سبتمبر 2013

ضجر سيزيف

يوماً ما ستدرك أن السبب الأهم لإعجابك الشديد ببعض الأشياء، هو جهلك التام بتفاصيلها.



 شدة الإدراك أحياناً تبدو لعنة لا تتلاءم والسير الطبيعي للحياة؛ ذلك أنه كلما ازدادت رؤيتنا للأشياء اتساعاًَ، كلما ضاق معها معنى الحياة. من أصغر طفل فينا إلى أكبر فيلسوف. عندما تتولد لدى الطفل فكرة واضحة غير ضبابية عن الميكانيزمات التي تعمل بها لعبته ويبدأ تفكيكها قطعة تلو الأخرى يزول لديه على الفور أي شغف بها. نفس الشيء ينطبق علينا، نحن الكبار، عندما نكتسب معرفة عميقة بالتكتيكات والخيوط التي تحرك هذه اللعبة الكبيرة التي تسمى بالحياة.

حيوان رومانسي

 التأمل المفرط والمطول بمكونات الحياة ومجرياتها يحيلها إلى عدم. لننظر، مثلاً، في الحب: إشراقاته تنافس شطحات المتصوفة وانخطافات الموسيقى؛ إنه يتجلى كأعظم شعور إنسي على الإطلاق، لكنه، في العمق، يخضع لإنقباضات المسالك البولية ومستويات التستوستيرون في الدم. فعندما تتراخى تلك الانقباضات ويضعف تركيز الهرمونات، تخبو فورة الحب ويصبح موضوع اقتراب الجنسين من بعضهما بعضاً غير مفهوم بالمرة. إذن، يكفي القليل من الموضوعية والتجرد ليكتشف المرء بأن كل تلك الحرارة والاحتدام، اللذين يأخذان من السرير مسرحاً لعملياتهما، لم يكونا سوى استراتيجيات بيولوجية لضمان استمرار النوع.

 لا يقع الإنسان في الحب لأنه حيوان رومانسي فقط، بل لأنه يخاف الوحدة. عندما تنظر إلى زوج يعشق بعضهما بعضا، فاعلم أن القصة بينهما تتعلق بكائنين وحيدين يحاول كل واحد منها الذوبان ونسيان ذاته عبر الغرق في ذات الآخر. خواء الوحدة خواء قاتل والاكتفاء بالذات أمر مستحيل، فنحن نحب ذواتنا التي تتجلى من خلال الآخرين؛ لذلك لا يوجد رجل واحد لا يهرع إلى الارتماء في أحضان المرأة. وحده خفقان الأفئدة ينتشل المرء من وطأة الضجر الكوني؛ فيضفي على الوجود بعض المعنى ويؤثث زواياه الفارغة. ولولا الطابع الحزين للوجود لما تجاوز الحب مستوى كونه تمرينا جنسياً؛ فالحب لا يكتسب عمقه إلا من كونه نوعاً من الشفقة المتبادلة. لماذا يجب علي أن أحب شخصاً يسير في الحياة بخطى ثابتة؟! هل هو بالفعل في حاجة إلى دعم الحب ودفء العاطفة؟! المرأة الجميلة والناجحة تثير إعجابي، لكنها لا يمكن أبداً أن تخترق قلبي؛ فكلما كانت المرأة جميلة وتثير اهتمام الآخرين، كلما انغلق قلبي تجاهها. لا أحب المرأة إلا إذا كانت وحيدة أو كانت من أولئك اللواتي دهستهن الحياة وظلمتهن الطبيعة بمنحهن وجوهاً لا تتمتع بالسيمترية والجمال المؤسسي الفاقع، فأصبحن يعشن على هامش دائرة الرجال والآخرين. الحب إما أن يكون ممارسة عزائية أو لا يكون. فقط عندما نمارسه لأجل مواساة الآخر ومسح دموعه؛ يتفوق الحب عندئذ على تكتيكات الطبيعة وميول الجنس، فيتوج نفسه أحياناً بالتضحية والإيثار وهذه هي أكثر التفكيكات الموضوعية للحب.

***

 العقل يفضح ألاعيب الحياة ويعريها. ولو افترضنا أننا كائنات عاقلة إطلاقاً، لكنا قد قدمنا استقالتنا من العالم منذ بدء الخليقة. وإذا كنا لا نزال لحد الآن نملأ هذا الكوكب لغطاً وضجيجاً، فالفضل في ذلك يعود إلى حرارة الرغبة وعماء إرادة الحياة؛ بدونهما يصبح القلب الإنساني مجرد عضو أجوف لا يثير إلا اهتمام الأطباء. إذن، فما يدفع المرء إلى التحيز إلى هذا الطرف أو ذاك لا يعود إلى ذكائه أو ثقافته بقدر ما يعود إلى شغفه أو تعلقه بالموضوع؛ فالشغف هو الذي يطمس شكوك العقل ويدفع تحفظاته العدمية، ويُمكِّننا من الاندماج مرة أخرى في حماقات القطيع. وهكذا، فالواحد منا لا يمكن أن يكون عاشقاً وفيلسوفاً في نفس الآن؛ ذلك أن تفكيكات العين الفاحصة لا تتلاءم و هيامات القلب النابض. الذي يحب لا يتساءل أبداً لماذا يحب، والذي ينغمس في مشروع ما لا يتوقف أبداً ليتفكر في دلالة معنى ما يقوم به: فحالما يبدأ المرء في تأمل حبه لهذا الشيء أو ذاك، يجد نفسه وقد قذف به خارج التجربة ويصبح موضوعه كتأمل دواة حبر فارغة، إنه لم يعد عاشقاً على الإطلاق، لقد أصبح، الآن، محلّلا نفسانياً. هذا إذاً، هو الحب: أطروحة مضادة للمعرفة ومولِّد لأكبر الأكاذيب التي شهدها التاريخ البشري. وكل خطوة إلى الأمام في الحب تساوي خطوة إلى الوراء على مستوى النزاهة الفكرية والحياد الواقعي.

 من وجهة نظر موضوعية، لا يوجد خير ولا شر، لا جمال ولا قبح؛ والذي يتمكن من التعالي عن المذاهب والإيديولوجيات والتجرد من الأهواء والأحكام المسبقة سيرى الأشياء كما هي في حد ذاتها-شديدة التجريد؛ أي العراء التام والبساطة الكاملة. التعدد الذي يطبع العالم والتراتبية التي تحكم أوصاله ما هي إلا أوهام تعشش في العقول الضيقة وأشباح تسيطر على القلوب الضعيفة. يكفي فقط أن يعلّق المرء حماسه لبعض الوقت وسيرى بأم عينه كيف سيتفكك أمامه العالم وستهوى معظم الأشياء إلى السفح بجنون، وكيف سيتساوى الشيطان مع الملاك، والباطل مع الحق، والعدم مع الوجود. باختصار، كلما تأمل المرء الأشياء بقلب جاف وأعصاب باردة سيظهر له العالم في حقيقته الخفية: مستوى مسطح بل عمق وبلا ارتفاع.

 لا يحسم اختياراته في هذا العالم إلا المتعامي أو الذي لم يسبر غور الأمور جيداً. من ينظر مليّاً في كل الأوجه الممكنة لأمر من أمور الحياة، لابد وأن يصاب بالجمود؛ سيظهر له بأنه ليس هناك توجه أفضل من توجه آخر، أو اختيار أصوب من اختيار ثان، كل شيء متماثل؛ هكذا سيكون استنتاجه الأخير وهو ينظر إلى العالم في شموليته. بصره الثاقب يجرّد الظواهر من كل ادعاء بالواقعية، ويفضح الصورة الحقيقية للحياة: أنها بالنسبة له، مجرد مملكة من الأشباح.

 كل إنسان يبدأ الحياة بالشغف ثم ينهيها بالشعور بالضجر. بمجرد ما يخطو المرء أولى خطواته في هذا العالم تترسخ لديه القناعة بأن هذه الحياة معين لا ينضب من الفرص والإمكانات؛ ولكنه حالما يبدأ يتعمق تدريجياً في الأشياء، تأخذ رياح الضجر في الهبوب، وتبدأ قناعة أخرى تلوح في الأفق: لا فرق جوهري بين الفعل واللافعل، بين السطح والعمق. منذ طفولتي، وإلى الآن، وتجربتي مع الزمن تجري بين الانغماس التام أو الانتظار المميت. لازلت أذكر كيف كنت أشغل نفسي بنشاط طفولي، ولكن ما كانت تمر ساعات قليلة حتى كان يجتاحني الإحساس بالخواء فأرمي بكل شيء جانباً وأنزوي في مكان ما منتظراً أن تحصل معجزة أو شيء كذلك. كانت هذه أول تجربة لي مع الضجر، وكان هذا هو أول شعور فلسفي لدي بخواء الأشياء.

 فيما مضى كنت اعتقد بأن البؤس مشكلة اقتصادية، لكنني عندما أنظر، الآن، جيداً في وجوه أبناء الطبقات الميسورة تتكون لدي القناعة بأن البؤس الإنساني هو أعمق بكثير مما نعتقد. عندما تنظر جيداً في تلك الوجوه تجدها تقول لك بأنها جرَّبت كل رغبة، وأشبعت كل نزوة، وبأنها تملك كل شيء إلا حلاً لمشكلة الضجر. والحق أن من يبحث عن حل لمشكلة الضجر كمن يبحث عن حل لمشكلة الوجود في حد ذاته. في هذه الأيام، عندما تشتكي من الضجر أمام الناس، تجدهم ينظرون إليك بعين الريبة معتقدين أن ما تحس به من ضجر مرده إلى كونك إنساناً كسولاً أو لأن حياتك اليومية تفتقر إلى التنظيم والبرمجة. ولكن الضجر الذي يجتاحني في كل يوم وليلة لا علاقة له بأي واحد من هذه الأسباب؛ إنه ليس بذلك الضجر الذي يمكن أن تقضي عليه بالانخراط في عمل جاد أو نشاط مسل؛ إنه ضجر يمتد لشهور وسنوات، ضجر عميق.

 أحياناً، أكون منغمساً حتى الأذنين في نشاط خلاق، أو مجتمعاً ببعض الأصدقاء، أو أكون متأملاً لمنظر طبيعي، وفجأة أبدأ استشعر نوعاً من الخواء يتسلل إلى روحي، إنه خواء ينزع عن الأشياء من حولك كل معنى وجاذبية فجوة عدمية تبتلع كل معنى للوجود؛ فتختزل، بذلك، قيمة الوجود إلى مستوى الصفر، ولا يعود عندئذ يهمك أي شيء آخر إلا إيجاد إجابة لسؤال: "ما المغزى من وجودي هنا في هذا العالم؟!". مَر عليّ زمن كنت أجاري فيه الحياة في كل شيء، كنت أتأرجح بين هذه الرغبة وتلك، وأقفز من نزوة إلى أخرى، ولم أكن أعرف حتى بأن للضجر وجوداً. وكيف كان لي أن اعرف بوجوده وأنا لم أنزل إلى أعماق الأشياء بعد ؟! إن الأشخاص الذين لا يضجرون هم بشكل بسيط مجرد أطفال مازالوا غارقين في البعد المادي للوجود ولم يبرحوا سطح الأشياء بعد.

 أستطيع أن أقيس اليقظة الفلسفية لكل رجل من خلال موقفه من مشكلة الضجر؛ فكلما كان الرجل يعتبر الضجر معطى وجودياً لا فكاك منه، كلما أثبت بأنه رجل قد خَبَرَ الأشياء وعرف طبيعة الأمور. ولكن أغلب بني الإنسان لا يتفاجئون من شيء آخر أكثر من تفاجئهم من وجود الضجر؛ إنهم لا يكفُّون في سلوكياتهم وأدبياتهم عن النظر إليه كخطأ في نمط العيش؛ فتراهم بذلك يهرولون لفعل أي شيء لتفاديه أو حتى قطع دابره. ولكن موقفاً كهذا من الضجر ينم عن سذاجة ميتافيزيقية وأحكام مسبقة تتجلى في اعتقادنا بأن للحياة مضموناً أو معنى ما، فيما الحياة، على ما تبدي لنا التجارب، لا تتضمن أي معنى ولا تسير نحو أية وجهة. وعندما أشير إلى الحياة، فإنني أعني بها هذا التدفق الجارف من الرغبات الفوَّارة والدوافع العمياء التي تتابع وفق إيقاع سريع لا يترك للإنسان أي لحظة ليسترجع أنفاسه؛ فلا يخرج هذا الأخير من غمار رغبة ما حتى يجد نفسه ملزماً بخوض غمار رغبة أخرى؛ ذلك أنه لا أحد يستطيع أن يقيم في الفراغ الفاصل بين الدوافع والميول، إنه فراغ قاتل ولا تتحمله إلا نفوس قليلة.



 في إيقاع وجودي كهذا، لا يمكن للمرء إلا أن يكون حيواناً بائساً يعيش حياة تأرجح لا يهدأ. تأرجح بين دفع الأهواء وجاذبية الأشياء من حوله؛ وحالما يهدأ كل هوى وتنطفئ كل رغبة يسقط  في الفراغ المطلق للضجر.
 ما من شك في أن كل إنسان يدب على هذه الأرض إلا وقد مر بتلك اللحظات التي يتوقف فيها كل شيء عن الحركة ويخضع العالم لجمود رهيب، وما من امرئ إلا ويعرف شيئاً عن تلك الطريقة التي يتجلى بها الزمن في أيام العطلات والجمعة أو ما بعد الظهيرة؛ فخلال لحظات زمنية كهذه، وهي نماذج مناسبة للتأمل والانعكاس على الذات، يستشعر على نحو شديد: الثقل الماحق للانهائية الزمن، ويسمع على نحو حاد التكتكة البطيئة لعقارب الساعة؛ إنني اتحدث هنا عن زمن يطبعه الضجر ويلفُّه الخواء وتنتفخ فيه كل ثانية إلى أن تصبح حدثاً مستقلاً بذاته؛ أما الدقائق والساعات فتصبح مسرحاً لأهوال وعذابات لا تطاق.

حينما تتجمد الدقائق والساعات، ولا تعود الأيام تتقدم بأكثر من سرعة السلحفاة، كيف لا يمكن عندئذ للوجود أن لا يفقد كل معنى ومصداقية؟! وكيف، إذاً، لا يمكن للمرء أن يتساءل عن المغزى من كل هذا الركض وراء المثل والأهداف؟! وما الفائدة من البحث في هذا العالم عن كل تشكّل أو تغيير؟! إن هذه الأسئلة الحارقة هي ما يمثل الجانب الميتافيزيقي من الضجر، والإنطراح المفاجئ لها يكشف عن بعد آخر للحياة ما كنا لنستشعره من قبل: بُعدها السيزيفي. في بعد كهذا، يصبح الانتقال من يوم لآخر عملاً عبودياً لا يحتمل، أما الحياة فتصبح دورة طويلة من الانتظار العبثي. هذا ما يمكن أن يختبره المرء في واضح النهار، أما عندما تغزوك مثل هذه الأحاسيس والأسئلة بالليل؛ حيث يكون المرء بمنأى عن صخب العالم وضوضاء البشر، فإن فعل الوجود في حد ذاته يأخذ بعدا مزدوجاً يلامس فيه الشعور بالعجز عن مواصلة الانخراط في سخافات الحياة والإحساس بالعزلة المطلقة والتيه اللانهائي. إن المرء، هاهنا، ليجد نفسه وجها لوجه مع الزمن في صيغته الجافة، بحيث لم يعد على الإطلاق بذلك الفضاء المؤثث بالأهواء والمكاسب والطموحات، إنه لم يعد إلا حالة من الفراغ المطلق مطعَّمة بمشاعر اليأس والإحباط.

 لطالما عرَّفنا الإنسان بأنه حيوان صانع، ولكن الإنسان لا يكون صانعا إلا لأنه يتوهم بأن لهذا العالم وجوداً حقيقياً، إذ يكفيه فقط أن يحافظ على مسافة بينه وبين أشيائه ليرى بطلانها التام. إنه كائن حبيس أهوائه وتصوراته، ولو تسنى له أن يُعلِّق ميوله ونزواته لبعض الوقت، لكان بإمكانه أن يرى كيف سيتحول كل شيء إلى جماد. إن الحياة بكل مقوماتها الحسية والجمالية ما هي إلا نتاج لإفراطات الخيال وهذيانات الروح وتوترات الجسد. فقط تعطيل مؤقت لغرائزنا يحول الحياة إلى حكاية ضاربة في الضجر غارسة في الملل؛ وبدون حرارة الليبيدو يصبح العالم صقيعاً مطلقاً. وهذه هي قصتنا مع الحياة التي لا نتحملها إلا بقدر ما تفرزه قلوبنا وعقولنا من أشكال الشغف والهلوسة.

 الوجود عارِِ، والإنسان لا يمكنه أن يستمر بدون مكاسب مادية أو طموحات مستقبلية؛ فهذه الأخيرة هي ما يشكل ديكور الحياة. ويكفي القليل من اليقظة الأنطولوجية ليستيقظ المرء من سباته الميتافيزيقي فيطلع على وضعه الوجودي الحقيقي: العراء. ولهذا السبب، لا تجد إنساناً واحداً على وجه هذه الأرض لا يعانق فكرة أو مثالاً ما. فنحن نؤمن بالعالم الخارجي حتى ننسى عالمنا الداخلي، أي ذواتنا. هكذا تجدنا ننغمس في الأعمال ونكرس كل جهودنا وطاقاتنا في تشييد الصروح وإقامة الآلهة، وكل هذا لأجل شيء واحد: قتل الوقت.

 لا شيء أثقل على قلب الإنسان من عطلة مطلقة يعيشها بلا متع ولا تسليات ولا حتى بعض المشاكل والمشاغل؛ وإن كان لكلمة الجحيم من معنى فهو عندما تفقد الحياة تأثيرها الإيروتيكي فتتحول إلى أرض جدباء يدب عليها كائن فارغ من كل هوى واندهاش. ولأجل هذه الاعتبارات، أجد نفسي دائما منجذباً إلى معشر الكسالى والعاطلين؛ فهؤلاء يعرفون أسراراً وجودية لا يعرفها المنشغلون من أصحاب الجهد والكد أو المخدَّرون بالمطامح والمطامع. فكونهم لا يتوفرون على وظيفة يشغلونها وتشغلهم، تجدهم يدخلون في حوار مباشر مع الأشياء؛ وهذا يمكّنهم من تأمل التدفق الرتيب للزمن والانشغال المرضي لأشباههم من البشر بشئون الحياة. من بين بني الإنسان جميعاً، وحده الشخص الكسول الذي لا يزال بريئاً؛ فإحجامه عن فعل كل خير أو شر، ورفضه الانغماس في غيبوبة الحياة العملية، يوفر عليه التورط في جريمة قتل الوقت أو الهروب من مواجهة الذات. وموقفه الفلسفي،هذا، من الأشياء مكنه من تبوأ مكانة المتفرج الكوني على سخافات البشر، وجعله المراقب الأعلى لتمظهرات الخواء واللاّجدوى في حياة كل واحد منا.




 إذا كان أصحاب الفلسفة الوجودية يعتبرون الضجر كوعي بالانفصال الجارح للكائن عن كيانه، فإن النسّاك والزهاد من أباء الصحراء كانوا يعتبرونه الطريق التي تؤدي مباشرة نحو الشيطان. ففي الوقت الذي يكون الناسك يقضي فيه دورة الزمن بين صوم بالنهار وصلاة بالليل، كانت بين الحين و الآخر تتسلل إلى قلبه أحاسيس وهواجس يمتزج فيها الكلل بالملل، والإحباط وعدم الرضى باليأس، ولطالما صورنا الناسك في لوحاتنا الفنية ينظر من نافذة صومعته إلى العالم الخارجي وكأنه يترقب مجيء أحدهم. إنها لحظات شك يُسائل فيها الناسك مغزى عزلته في قلب الصحراء؛ وهي أيضا لحظات غواية، فالإسكندرية بصخبها ومفاتنها لا تبعد عنه إلا مسافة يوم سيراً على الأقدام.




 في الحقيقة نحن لا نستمر في الحياة إلا بقدر ما يوجد في عيوننا من الغبار؛ ذلك أن التبصّر المطلق يفصلنا عنا وما حولنا والمجتمع؛ فنحن كلما تعمقنا في غياهب النفس وأسرار القلب، كلما قل عدد أولئك الذين يمكن أن نتواصل معهم؛ كما أن السير الطبيعي للحياة لا يمكن أن يتم بدون حد أدنى من العفوية و اللاوعي. وهنا يظهر جليّا الطابع الدرامي لحياة كل إنسان يتمتع بقدر كبير من الصحو الفكري و نفاذ البصيرة: إنه إنسان لا يستطيع أن يندمج في الحياة على نحو ما يقوم به باقي البشر؛ موضوعيته المطلقة ترغمه على البقاء على هامش الوجود؛ نظره المنفصل لا يفرق بين حديقة من الأزهار وحقل من الأشواك؛ ذهنه المتوقد يمنعه من التحيز إلى أي طرف من أطراف المجتمع، وكيف سيتحيز وهو لا يقلب فكرة في العطاء أو التضحية أو الاستشهاد إلاّ ليجد تحتها الزهو أو الأنانية أو التعطش للمجد والسلطة؟!، إنه مشبع بوعي كيتشي نافذ الثقل.

 لا شك أن إنساناً كهذا لديه ترسانة معرفية كبيرة تجعله متحرراً من كل الأوهام والأهواء والقيود؛ لكن تحرره هذا لم يحصل عليه إلا بعد أن هدم كل أصنامه وانهار كل شيء من حوله، إنه حر، لكنه في صحراء قاحلة ينازع الخواء والعراء وحيداً.

*اسطورة سيزيف 

الجمعة، 2 أغسطس 2013

الكائن الأكثر تطرفاً

الإنسان هو أحد أخطاء الطبيعة. هذه قناعة ربما توصلت إليها حينما كنت أتسكع مع صديق لي في أحد السهوب المجاورة للقرية التي وُلدَ بها أجدادنا؛ ونحن نتبادل أطراف الحديث، أشار صديقي إلى واقع أن مجموعة من الأنواع الحيوانية، التي كانت تعيش هنا في يوم ما، قد انقرضت ولم يعد لها أي أثر. وتعليقاً على ملاحظة صديقي، قلت له بأن كل ما يتحرك تحت ضوء الشمس سيختفي إلى غير رجعة، وسيأتي يوم سنتحدث فيه عن انقراض آخر ذبابة؛ فالإنسان حيوان مبدِد مبيد ولديه نزعة مَرضية لجعل هذا العالم عالما قبيحا. فهو لا يقطف إلا ما هو أخاذ وجميل، و لا يترك إلا ما هو شائك وقبيح، خالقاً بذلك وجوداً لا بقاء فيه إلا لما هو ضارب في السوء والبشاعة.

 كل المخلوقات تعيش في انسجام تام مع الطبيعة باستثناء الإنسان وحده. فعلى مَر التاريخ أثبت هذا الكائن بأنه الأكثر تطرفاً، حيوان شاذ ولا يملك موقعاً مريحاً بين جموع الخلائق. إنه لا يكف؛ في أي نشاط من نشاطاته، عن التلويث وتشبيع الأجواء بشتى أنواع السموم والغبار. إذا جلست أمام الشاشة الفضية-شاشة تأخذك إلى جهنم-أو فتحت جريدة لن تجد إلا ذلك التغني شديد الابتذال بالحضارة الصناعية والتقدم في صراع التكنولوجيا؛ وأنا أتساءل هنا، بأي حضارة وبأي تقدم هذا الذي يمكننا التغني به ونحن لم يعد بإمكاننا ملء بالونات صدورنا إلا بالغبار!، إنني لا أكاد أرى أي خير في كل هذه القرون التي قضاها الإنسان في التصنيع والتركيب. فإذا ما رغب أحدنا في رؤية زهرة برية، فعليه أن يتحمل مشقة الخروج من العمارة التي يقطنها لمسافة سبعين كيلومترا أو أكثر؛ أما إذا كان يرغب في مشاهدة قنفذ أو أرنب فعليه أن يتوجه إلى محبس الحيوانات.

 إثر كل ذهاب أقوم به لمتحف أو حديقة حيوانات أستنتج بأن قسوة الإنسان لا يحدها شيء. كل هذه الأسود والغزلان والتماسيح والطيور التي أراها الآن؛ كانت تعيش حرة طليقة لملايين السنين، إلى أن جاء هذا الإنسان فطاردها بكل السُبل، وجعل من كل نوع منها إما مصدراً لطعامه، أو مادة لكسوته، أو وسيلة لتسليته هو ونسله. لقد لاحق الإنسان هذه المخلوقات في كل منحنيات الأرض، وما وُجد عرين أو غار أو جحر إلا ووصل إليه. ولمَّا رأى هذا الإنسان بأن ما بقي من هذه المخلوقات يسير نحو الانقراض، وذلك بسبب ما ألحقه بها من أبشع الأنواع قتلاً وتنكيلاً، وضعها في أقفاص كئيبة تتغذى على أطعمة فاسدة ويتفرج عليها الفضوليون ومطاردو وسائل التسلية. أفهم جيداً أن يفترس حيوان ما حيوانا آخر، و لكنني لا أستطيع أن استوعب كيف يمكن لحيوان أن يجعل من حيوان آخر موضوع فرجة أو احتقار أو إذلال!، وهذا بالضبط ما فعله الإنسان بباقي المخلوقات من حوله. ماذا أقول؟!، الإنسان بلا مبالغة هو ديكتاتور الحيوانات.

 لو كان باستطاعتي التحكم في دواليب الكون، لكنت قد مسحت الإنسان من على وجه الأرض. فمنذ البدء أثبت هذا الكائن بأنه لا يحسن إلاَّ الانفصال. لقد أمره إلهه بأن يلزم المكان المخصص له في الجنة، وحذَّره من أنه ثمة حدود لا يجب عليه أن يتجاوزها؛ ولكن الإنسان، وكعادته، يهوى تجاوز الحدود وخرق العهود فأكل من الشجرة المحرمة وكان ذلك أول إنفصال له، إنفصاله عن إلهه. ولكن إنفصالات الإنسان لا تنتهي؛ فها نحن نشهد اليوم وفي كل ساعة وحين انفصاله عن الطبيعة وذلك بسبب ما يلحقه بها من خراب ودمار إلى درجة أنه ارتفعت أصوات تطالب بكتابة عقد طبيعي مع الأرض. الإنسان كائن مرفوض، إنه لا ينفك يُطرد من فردوس تلو الآخر، إنه كائن غير مرغوب فيه.

 الإنسان حيوان يتمحور حول أناه، وعندما يطلق له العنان يتحول العالم إلى ورشة عمل للشيطان. هذا بالضبط ما فعلته أغلب الأنساق الماورائية التي عرفها تاريخنا والتي عملت على تكريس غرور الإنسان و صلافته. وقد كانت المسيحية أول ميتافيزيقا أنذرت نفسها لهذه المهمة حيث عملت على التبشير بأن الإنسان خُلق على صورة الله؛ وبأن هذا الأخير قد تجسد فعلاً، في يوم من الأيام، في صورة إنسان وعاش مع الإنسان ومات من أجل الإنسان. ثم جاءت الحركة الإنسية التي جعلت من الإنسان "مقياس كل شيء." وهكذا توالت الأوهام بين ميتافيزيقا تقول بأن الإنسان طيب في عمقه، وأخرى تقول بأنه خليفة الله في أرضه، وثالثة تقول لك "دعه يعمل، دعه يمر." والحق أنه مهما اختلفت هذه الأنساق الميتافيزيقية في مفاهيمها وزواياها، فإنها تلتقي عند النتيجة نفسها والتي تتمثل في أنها أنزلت الإنسان منزلة لا تتناسب وقدراته؛ بل ويمكنني القول بأن النجاح السياسي والهيمنة التاريخية لهذه الأنساق، بنوعيها أللائكي العلماني والثيولوجي المقدس، لا يعود إلى انسجام في مقولاتها ولا إلى قوة في أيديولوجياتها، ولا حتى إلى فكرة الجحيم أو فكرة الخلاص؛ بل نجاح كل ذلك يعود إلى شيء واحد، وهو أن هذه الأنساق قد تملقت الإنسان ودغدغت ميوله النرجسية وجعلت ذاته شديدة الانتفاخ.

 منذ أن وعى الإنسان وهو لا يطمح إلا لشيء واحد وهو احتلال مركز كل الأشياء. والحق أن كل البشر يتصرفون كما لو أنهم آلهة، فأنى توجهت فتجد آلهة بائسة أو أنبياء مقموعون، فيما هم مجرد حيوانات عليا يقتلون ويتقاتلون على ظهر هذا الكوكب السيء الحظ، والذي غالبا ما ينسون بأنه مجرد كرة معلقة في الفراغ الكوني المطلق. وحده داروين فهم ما يجري؛ لقد رأى في الإنسان مجرد قرد متطور يتربع، الآن، على قمة هرم المخلوقات. ولقد كان بإمكان هذا القرد الأعلى أن يعيش في سلام تام مع نفسه ومع الطبيعة، ولكنه حيوان مصاب بهوس التقدم؛ إنه لا يكاد يصل إلى وضع حضاري حتى تبدأ الرغبة تراوده في تجاوزه إلى وضع حضاري آخر. ومن إرادة التجاوز هذه وُلد الإنسان فتحول بذلك من كائن يعيش في الطبيعة إلى كائن يُنصِّب نفسه سيداً عليها. والحق أنه حيثما تولي وجهك لن ترى إلا هذا الكائن وهو يغزو كل شبر ويكدس الأموال ويستنزف ما يقابله.

 كل ما يصنعه الإنسان لا يلبث أن يرتدَ ضده. إنه لا يستفيد من أشيائه إلا مؤقتاً، أما على المدى البعيد فإن كل ما يخرج من بين يديه يصبح مصدر إزعاج أو خطر. لقد اخترع هذا الكائن السيارة ليختزل المسافات ويسابق الزمن، وها هي هذه السيارة قد أصبحت تشكِّل في مدنه عاملا يعرقل الحركة و مصدراً لشتى أنواع الضوضاء. لا أكاد استوعب كيف أنه بعد كل هذه القرون من الرياضيات العليا والميكانيكا المعقدة انتهى بنا الأمر إلى خلق حضارة مفادها الضجيج والقذارة. ولا اعرف أي تقدم هذا الذي أحرزناه وقد أصبح الواحد منا لا يعبر شارعاً ثانوياً إلا بعد أن تتوتر أعصابه ويتصبب عرقه؟، والحق أنه عندما أرى هذه الأجواء الملبَدة بالدخان وهذه الوحوش الحديدية التي تجوب شوارع مدننا وتدهس، من حين لآخر، بعض الأرواح البريئة، لا أتحسر إلاَّ على شيء واحد كوني لم أُوجد قبل الثورة الصناعية أو لم أُوجد من الأصل.

 مع كل صرخة وليد يزداد الشر قليلاً في العالم. وإذا كان هناك من شيء أتأسف لحاله فهو هذا الكوكب الأزرق الذي يحمل على ظهره هذه التخمة من بني البشر؛ والذين لا يختلفون عن بعضهم البعض إلا بقدر ما يفرز كل واحد منهم من الخراب والكارثة. لقد توصلت إلى قناعة مفادها أنه علينا أن نعمل على تكريس حركة إنسية معكوسة تتمثل في وضع حد لهذا الإنسان وتمريغ كبريائه في التراب. إنه لمن الضروري أن نُفهم هذا الكائن بأنه مجرد ترتيب حيوي في المنظومة الطبيعية للأشياء. وبأنه ملزم-إن أراد الاستمرار-بأن يتخلى عن أخلاق السوبرمان ويتبنى عوضاً عن ذلك، أخلاقاً مغايرة تستمد جوهرها من تواضع حشرات الأرض وعفوية العشب. على هذا الكائن أن يفهم بأنه ليس ابن السماء، بل ابن الأرض. والحق أنه رغم ما قد ينطوي عليه هذا الإذلال، الذي ندعو إليه، من مضاعفات جانبية، فإن مخاطره ستكون أقل بكثير من المخاطر التي قد تنجم عن تمجيد الإنسان أو عبادته؛ فالإنسان حيوان مغرور ومصاب بخيلاء لا علاج لها، على سبيل الطرافة، لفت صديقي نظري إلى التكوين المورفولوجي للحيوانات؛ فكلها تدب على ظهر الأرض إما زاحفة أو ماشية على أربع، حتى الديناصورات رغم ضخامتها وقوتها تبدو منحنية و محتشمة؛ لكن وحده الإنسان يملك وضعاً مورفولوجياً عمودياً، لقد بدأت المأساة لحظة استقامته.

 إذا كانت اليوتوبيا لاتزال تعني لي شيئاً، فإنها تعني أن تستولي قلة من المثقفين على الحكم في هذا العالم، فتؤسس بذلك دكتاتورية شمولية تقوم بالسهر على حماية الطبيعة ولجم اندفاعات الإنسان. والحق أنه أصبح من المُلح علينا، وأكثر من أي وقت مضى، بأن ندمر هذا العجل الذهبي الذي يعبده معاصرونا والذي يتمثل في مجتمع الوفرة، إننا ملزمون بأن نعود إلى قيمنا البدائية، وبأن يتم إرجاع مستويات العيش إلى ما كانت عليه في العصور الوسطى. كما انه من الضروري العمل على تحويل التناسل عند البشر من إمكان طبيعي مفتوح إلى إمتياز حضاري لا يمنح إلا للمتفوقين. فمن يطَّلع على المعدلات الديموغرافية لبني البشر، خاصةً تلك المتعلقة بالبؤساء والأغبياء منهم، لا يمكنه إلا أن يستنتج بأن الإنسان درن ينتشر.



 هذه الصورة ليست من مخيلة أحد مخرجي السينما المتشائمين، لكنها من أحدى مسيرات الإنسان السياسية، الأمر لا يعنيني سياسياَ أكثر منه أخلاقياً، هم يطالبون في مسيرتهم بحقهم في حكم وقيادة مجتمع بأكمله وفي الوقت نفسه يجرّون ورائهم مجموعة من الأطفال لا شيء في عقولهم سوى بعض المشاهد الكرتونية، يسيرون بهم بعد أن البسوهم أكفان وعباءات الموت كشيء رمزي للتضحية بحياتهم من أجل أيديولوجيا طوباوية تسببت قديماً في الخراب أكثر من أي شيء آخر متوهَم. من المفارقات شديدة السخرية أن من ينوي امتلاك دراجة بخارية تافهة يجب عليه الحصول على رخصة لقيادتها بعد اختباره والتأكد من أهليته للقيام بذلك، وهؤلاء السائرون لم يختبر أحد أهليتهم لإنجاب إنسان آخر على وجه الحياة، ولم يحاسبهم أحد أيضاً لتجدجينهم هؤلاء الاطفال ذوو العقول النيئة للمطالبة بأشياء لا يعلمون عنها شيئاً، ليصبح الإنسان مجرد مفرخة للقبح والتشيؤ دون حسيب أو رقيب. فلا سبيل الآن سوى الصراخ مع سيوران: "الولادة هي ما ينبغي بحثه إذا ما أردنا إستئصال الشر من جذوره".

 فيما يعنيني، لا أملك إلا أن أقول بأنني قد أقلعت عن الافتخار بانتمائي للنوع الإنساني؛ ذلك أنني نزلت إلى العمق الأخير لروح هذا الكائن فما وجدت إلا الأنانية والخبث وميول شيطانية أخرى. ولست أبالغ إن قلت بأنه لا يفتخر أحدنا بكونه إنساناً إلا إذا كان ساذجاً أو مثالياً طفولياً، أي إما جاهلاً بطبيعة الإنسان أو إنه لا يريد أن يرى سقوطه المدوي عبر كل الأزمنة والأمكنة. اليوم لم أعد أتعجب إلا لشيء واحد، وهو كيف يتحمل كل واحد منا لمدة سبعين أو ثمانين عاماً كل هذا العبء الذي يسمَّى بالإنسان؟!، ما من معنى آخر للحياة سوى أن ينسحق كل واحد منا، منذ البداية وإلى النهاية، تحت هذا العبء المتمثل في رغبات متضاربة، ومشاعر متوترة تنضوي كلها تحت اسم أو لقب مكلل بالتباهي مسرف في نرجسيته.

 لا شيء ينقص الإنسان المعاصر إلا الوعي بالزمن؛ ذلك أنه لو قام هذا الإنسان بتأمل الامتداد الزمني لمَ قبل وجوده وما بعده، لكان بإمكانه أن يرى حجم العدم الذي يتوارى خلفه أو ينبسط أمامه. وربما كان بإمكانه أيضاً أن يستخلص من ذلك بأن وجوده ليس سوى صرخة خاطفة في فضاء من الزمن الأبدي. ولكن الإنسان، وعبر تاريخه، قلّما تمكن من استبصارات كهذه؛ فلقد اثبت هذا الكائن من خلال تاريخه، وبما لا يدع مجالاً للشك، بأن لديه نزعة للتأله والسيطرة. والحق أنه لو كانت لهذا الكائن صورة واضحة عن الطابع العرَضي لوجوده ومقدار الضرر الذي ينجم عن مشاريعه وأفكاره، لكان قد فقد الكثير من حماسه، و لربما كان قد دفعه ذلك إلى وضع كل أسلحته والتخلي عن كل خططه التافهة.

 بالنسبة لي، لا يكون الإنسان خيِراً إلا إذا أحجم عن كل فعل. بمجرد ما يشرع هذا الكائن في التصرف تبدأ تروس المشاكل في الدوران ويحدث الخراب. إن مشكلة الإنسان مع الوجود تكمن فيما يميزه: حريته. فكل الحيوانات، وباعتبارها كائنات لا تتحرك إلا وفق إملاءات الطبيعة، تعيش في انسجام تام مع وسطها؛ وحده الإنسان يبدو بأن الأوضاع تستعصي عليه، و يبدو أيضاً بأنه يبحث عن نمط حضاري و وجودي لا قِبَلَ للطبيعة به. والحق أن جذور كل مشاكل الإنسان تعود إلى شيء واحد: وهو كون الإنسان كائناً غير متساوق. إنه حيوان حر، أي خليط ضار من الاندفاعات البهيمية و الميول الإلهية.

 من وجهة نظري لا يكون الشيء فعالاَ وذا قيمة إلا بقدر ما يؤدي إلى السعادة. وفي ما يخص الحرية، فهي بالضبط ما يؤدي إلى شقاء الإنسان وبؤسه. فهذا الكائن لم يكن مسالماً إلا في العصور التي كان فيها مثال الحرية مثالاً مغموراً أو شبه منعدم؛ فالحرية إمكان وجودي لا يتلاءم و الاختلالات النفسية للإنسان. إنها هاوية لا قِبَلَ له بها. وإذن من الأفضل له أن يتراجع وأن يكف بقدر ما يستطيع عن النظر إلى نفسه ككائن يعيش لأجل الحرية.

 لذلك اقترح فلسفة اللافعل، ولكن ماذا يعرف معاصرونا عن هذه الفلسفة التي تحثنا على التعلم من الماء، أي أن نذعن لجغرافية الوجود و ننساب بين الأشياء في رقة وهدوء؟!، ومن أين لنا أن نفهم فلسفة كهذه ونحن نعيش في "حضارة" ترتكز كليةً على عبادة الجهد والعمل والديناميكية وتمجيد الحركة والتغيير؟!، وفي الواقع، مهما اختلفت تصوراتنا بخصوص الإنسان، و سواء كنا نؤمن بأنه ملاك ساقط أو قرد تخلَّص للتو من فروته وزغبه، فإن ما هو يقيني وأكيد هو أن هذا الكائن متورط في مغامرة مجهولة العواقب؛ وبأنه عوضاً عن أن يموت -على غرار أسلافه الأولين- موتاً هادئاً على سريره، سيموت في يوم ممزقاً نفسه في حادثة ما.

الثلاثاء، 9 يوليو 2013

غواية التمرد

هناك غواية وحشية في التماهي المطلق مع الأفكار المجردة.


أخرجت قطع الشطرنج الخشبية من صندوقها المغبر القديم كأحفورة من الماضي السحيق، وبدأت بقطعة قماش ناعمة جافة في إزالة التراب عنها ببطء. كنت على اتفاق مع أبي أن نعود سوياً للعب الشطرنج بمجرد عودته من غيابه الطويل، وقد اتصل ليخبرني مبتهجًا إنه راجع في الغد. فيما مضى كنا نحل سوياً مسائل الرياضيات، يتحجج بمساعدتي في دروسي كي يرجع لمتعة حل المعادلات، كلانا أحب حالة التركيز والتكريس الذهني المصحوبة بتشغيل الدماغ، الاندماج الكامل الهاديء، الإيقاع المنتظم مع توالي المعادلات. يقرأ القانون بإمعان، ثم ينطلق لا يحده أحد. في رحاب الجا والجتا والظا والظتا والدوال والأسس والجذور التربيعية وقوانين الميكانيكا والهندسة الفراغية وسحر المستويات، يسودُ الكون سكون تام. تهدأ صراعات العالم ونزاعاته التافهة، يحل الصمت ليكلل بجلاله كل الموجودات، يصل فيه المرء إلى أحد مستويات النرفانا، ذلك التماهي الكامل مع المطلق والواضح والمنطقي والجميل، الرياضيات هي تكريس لانهائي للعقل، ولا تخلو من العاطفة أيضاً، فيها لحظة ساطعة ثمينة، تلك الإشراقة المبهرة؛ لحظة الوصول إلي البرهان. في آخر مرة لعبنا فيها الشطرنج، مضت أيام طويلة وهو يحرك قطعه شارد الذهن، قبل أن يفقد تركيزه فيكشف مليكه أمام نقلة ممكنة لوزيري، لم ينتبه إلا بعد النقلة فقطب وزم شفتيه آملاً في سره ألا ألحظ هذه "الزلة". تبادلنا نظرة سريعة استرددتها على عجل قبل أن يتمكن من قراءتها. أطرقت بهدوء، حركة واحدة، وأسحق جيشه. نصر سهل. هممت أن أزيح مليكه. ثم عدلت، منعني حدس غامض من أن أقول له "كش ملك" وكأن شيئاً ما عزيزاً علينا معا سيهوى من علي بعدها مباشرةً. تجاهلت الفرصة السانحة للفتك بمليكه واسترخيت، بدأت أدردش حول السياسة بينما أحرك على الرقعة ما تبقى من قطعي بعشوائية حتى ابتسم وهو يغمغم "كش ملك". تبادلنا نظرات عميقة صامتة. إنه يعرف، وأنا أعرف أنه يعرف، وهو يعرف أني أعرف أنه يعرف، لكنه تجاهل الإشارة لما حدث وكلانا يشعر نحو الآخر بامتنان.

 عجيبةٌ هي مسالك الإله، فمعظم الشرور تنكيلاً بالفرد وحقوق الإنسان هي تلك التي ترتكب خاصةً باسم الانسانية من أجل حرية الفرد وحقوقه. قدرة الأطفال على ارتكاب البشاعات يعتورها نقاء حقيقي خالص، نقاء الشر، الطفل كيان معدوم الضمير عبارة عن "هو" خالصة صافية لم ينضج ولم تتكون لديه بعد لا "أنا" ولا "أنا عُليا" على معيار فرويد، تلك الوحوش الباكية الصغيرة تحرق القطط باستمتاع عميق، يسكبون عليها البنزين ثم يشعلون ذيولها بالكبريت ويتركونها تجري في الشوارع تعوي وتموء كتلاً مشتعلة من الفراء، يضحكون في جذلٍ مسعور. الأطفال كائنات خطرة، تستطيع أن تقرأ في وجه البراءة الجميل؛ القبح يضرب في الصميم، الشر المكين، بشاعة البلاهة، تلك القدرة المطلقة على ارتكاب المأساة، ودون مبالاة، التنكيل فائق العنف بأي شيء وكل شخص وحتى بذواتهم في سبيل الحصول على "لعبة"، الأعين الجاحظة جحوظ التنين، الأسنان اللبنية المتكسرة وحشية المنظر، الأفواه المفغورة الشبقة تلثغ وتثأثيء وتخور، تمضغ علكة رخيصة ماركة "المجتمع المريض"، تعوى في وجوهنا أنْ ليس ثمة "خير" في البراءة، إذا كانت البراءة "هو" خالصة.

 التماهي المتعامي مع الأفكار المجردة الداعية للإنسانية يحول البشر إلى مسوخ غير إنسانية. وفي مكان ما بالاسكندرية كهل وحيد تماماً يبكي دماً، ينعي شيخوخته المريضة المكللة بالعار والخواء والوحدة المطبقة، يتآكل حزناً ومرارة على ابنه الشريد الذي اختار مصير مطاريد الجبل. في زمن النضج أعرف أشياء مصحوبة بافتضاض بكارة الوهم، بانقشاع أبخرة الحلم، أعرف أن "التمرد" مرض من أمراض الطفولة، مثل الحصبة، يختفي في زمن النضج، وأن العجز الإنساني، أو بالأحرى اللا إنساني؛ عن الفهم، عن التواصل الآدمي، لا تعوّضه طبول المجد، أو حفاوة الطنانين، العيانين، الزياطين، خواء الأعماق لا تملؤه ضجة المراقص أو التصفيق في المسارح، كل الأفكار الخرقاء البلهاء في هذا العالم مقتحمة، نافذة، وقحة وكيتشيّة، تتسرب بعنف إلى المسام سماً زعافاً، مزعجة إزعاج الشوكة الرنانة. لقد انقشعت هالة السلطة التي زانت هامة أبي قديماً عن جمجمة مشتعلة بالشيب فلم يعُدْ إله باطش، ولا وحش ديكتاتور يرغب في استلاب حريتي، هكذا تكشف جبروته القديم؛ كما كنت أراه بعين الطفولة؛ عن شيخ ضعيف، كهل خائف، بحاجة إليّ بأضعاف أضعاف حاجتي أنا له، إنه الآن دوري أنا، ما أغرب أن احتياجه الأساسي اليوم يتمحور حول الإنصات، فقط بعض الوقت والإنصات، يريد أن يتكلم بفخر عن كفاحه وإنجازاته وأوجاعه وأدويته وهواجسه فننصت باهتمام، أن يعرف بعد كل هذه السنين رأيي الحقيقي فيه، يقف بقلب واجف أمام ماضيه، احتياجه عميق، عريق، للشكران. يرتعد فرقا أن يتمخض عناؤه الطويل عن فشل، مقت، رفض، ونكران. كل آلامه محتملة؛ إلا الحرمان العريق في شيخوخته من محبة الأبناء.

 قالها كافكا: "يا عزيزي أنت حرٌ، ولذلك بالتحديد أنت ضائع". اليوم أنت في الربع قرن من عمرك، في فمك طَعم مرٌ لمذاقِ حقيقتك؛ والعالم، مذاق معاناتك مع الإدراك نافذ الثقل كغطاء رخامي لمقبرة جدرانها اليقين، لكن لديك ما يكفي من الشجاعة كي تزدرديه لا أن تبصقه على رؤوس الناس. إنه يعرف، وأنا أعرف أنه يعرف، وهو يعرف أني أعرف أنه يعرف.

 لا تهلع يا أبي ولا تترك الحزن يعتريك، فأنا ابنك والآن وقعنا على صكوك صداقتنا، وأنا هنا، وسأجهز لك قهوتك بنفسي وأرص بيادق الشطرنج بانتظار عودتك، سأنصت لك باهتمام حقيقي، أسمح لك أن تدوس بكبريائك فوق كل انتصاراتي الرخيصة في معاركي الخاوية، وحماقاتي القديمة ترقد مدفونة في الظلام، كحشرة. 
 





الأحد، 16 يونيو 2013

فلسفة التعري

منذ القِدم قام الإنسان بتشييد الفُلك ليراوغ الطوفان، أما الآن فيعكف على تشييد الطوفان ليراوغ نفسه. قال "فيتجنشتاين" أن الفلسفة هي مقاومة فتنة التفكير باللغة، أما أنا فأقول: الفلسفة هي مقاومة فتنة الطوفان بالتعري، طوبى للمتعرين في وجه طوفان لا ينفك البشر يهرولون صوبه بشغف بغيض، طوبى للتعريات التي تغربل أقنعتهم وتمحو رونقها الزائف، وتطمس ظلالهم.

 التعرية الأولى: لا تقرأ

 لو كنت تعتقد أن الكتب وسيلة لخلاص العالم، وأنها "مضاد حيوي" واسع المجال بإمكانه القضاء على درن البشرية المزمن، وأنها طريقة مثالية لتغيير الواقع وإعادة هيكلة لعلاقة الإنسان بالإنسان وبما حوله، إذا كنت مؤمناً بهذه الأمور فلا تقرأ، إذ سيكون استمرارك في فعل القراءة أشبه بمواصلة السعي نحو خيبة لن تنتهي أبداً طالما هناك نفس الشغف، ستكتشف أن القتلة في هذا العالم هم أقدر الناس على كتابة المراثي -المسيلة للدموع- في ضحاياهم، ستكتشف أن اللص الأبرع هو من يضع يمينه في جيوب الفقراء ويأكل من أجسادهم، بينما يسراه تكتب في خفة ورشاقة عن مآسيهم، وبدلاً من أن تصرخ مع "هولدرين" قائلاً: "ما نفع الشعراء في زمن الضيق؟!"، ستكون خيبتك عنوانها: ما نفع الكتب في زمن الضيق؟!

 كي تكون مثقفاً عليك بدايةً أن تكون إنساناً، أو كما قال د.عبدالوهاب المسيري "المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل، لا يستحق لقب مثقف". الكتب في كثير من الأحايين تكون جداراً بين الشخص والثقافة هذا إن كانت الثقافة: رؤية للعالم يصاحبها سلوك يتفق معها يمتحنها ليعززها، أن تروي ظمأ قطة ضالة هو أحد التجليات الثقافية وليس أن تتجاهلها وأنت تقرأ على المقهى، , ولا سيما عن ركلها بغلظة، الكتب لاتصنع إنساناً ولكنها قد تصنع قناعاً متقناً الصنع للذئاب ليظهروا أقل فزعاً وأكثر ألفة للحملان، ما يصنع الإنسان ويجعله جديراً بإنسانيته هي مواقف باهظة التكاليف يتخذها المرء، ليس فقط أن يكون قانعاً على جزع بل ممتناً لألمها، لأنه لم ولن ينتمي إلى ذاته إلا بقدر ألمه في سبيل خلقها. الألم هو الإشارة الوحيدة الأكثر صدقاً على النمو والحياة، الاستجابة للألم في رأيي هي أكثر الدلائل التي تدعو للتفاؤل في حالات الغيبوبة، هذا الرأي هو على مسئولية مقياس جلاسكو لتقييم الوعي ايضاً، وإلا عليك ان تنتظر أن يخترعوا كتب تصلح ما افسده الواقع لمن يقرأها، أو لها وخزات تصلح مقياساً للوعي.!

 إذا كنت تبحث عن دفء عباءة اليقين فلا تقرأ، فالقراءة لا تقدم جرعة من اليقين كالتي تقدمها مجازا ً لعبة الطاولة. في الطاولة هناك قواعد وهناك دور للحظ معترف بوجوده وهناك نزال واضح بين الخصوم تتحكم فيه رميات النرد، والأهم أن هناك نتيجة معقولة فحتى هزيمتك يمكن تبريرها ويمكن التعويض عنها، ولكن الأسوأ والأغرب من خلو الكتب من اليقين هو افتقارها لمتعة "السؤال" العاصف، الكتب يقين بلا دفء وسؤال بلا أي خطورة أو مغامرة، الكتب أحياناً فاترة، إن كنت تتلمس طريق اليقين العب الطاولة أو أي لعبة أخرى تستهويك وإن كنت تتستجلب السؤال الجيد فاصنع سؤالك كمغامرة تحياها يمكنك أن تخسر في سبيلها أكثر من ثمن كتاب وبضع ساعات، الأسئلة المكرورة المجانية لا يمكن أن تكون ممتعة، الأسئلة والأفكار المستعارة من الآخرين لا يمكن أن تنبت الزهور في تربة روحك، الأسئلة التي يمكنك أن تدعوها جديدة وفريدة هي التي تهرب منها وأنت تهرول عبر السطور وحبر الصفحات المطبوعة، هناك الكثير من الكتب كتبها أصحابهم كأنهم يحفرون قبوراً لأسئلتهم: أحياناً خشية إضاعة العمر بلا جواب وأحياناً أخرى خشية العثور على جواب محبط.!

التعرية الثانية: أصمت حتى اراك

 قال عمنا صلاح جاهين "الكلمة إيد، الكلمة رِجل، الكلمة باب"، ولكنه لم يقل لنا ماذا تفعل هذه اليد. هل تمسك بغابة اشجار أم تغرس فسيلة، ولا إلى أين تتجه هذه القدم؛ نحو الهاوية أم نحو مرتقاها، ولا على أي الأماكن يمررنا الباب؛ على الزنزانة أم على الأفق. قد يتصدق اللص على المساكين ليبدو أكثر طهراً في عيني نفسه، وهكذا قد تقرأ لتبدو أقل جهلاً في عيني نفسك، إن كنت تبحث عن "مكياج" يجعلك أكثر فخراً بنفسك فيما تقابله من مرايا فلا تقرأ، لأن القراءة "مكياج" لا يمكنك أن تأمن عاقبته، يتغلغل في وجهك ولا يكون في وسعك أن تزيله إلا بإزالة الوجه. فالأفضل أن تتصدق بثمن الكتب حتى تحتفظ بالوجه إن أردت. بما أنك خالفت نصيحتي ولم تزل تقرأ حتى هذه اللحظة فإليك أكثر تجليات القراءة التباساً وتمويهاً: ليس بمقدورك أن تقتنع بعدم القراءة إلا بعد تلتهم الكثير من الكتب، هكذا أتحايل -مرغماً- أن أصف لك ارتكاب القراءة كأنجع الوسائل للبرء منها.

على ما يبدو أن سقراط أخطأ حينما قال "تكلم حتى أراك"، فالكلام أقدم المراوغات والوسائل التي صنعها الإنسان ليتخفي، وكأن الإنسان أعجزته الطبيعة عن تطوير آلية للتخفي على المستوى الجسدي كجلد الحرباء فطوّر آلية صوتية للقيام بذلك، صوت الإنسان نظيرٌ لجلد الحرباء. كل الكلمات أقنعة وفيها شبهة واضحة للتصنع سوى "آه"، فلنأتي بسياسي له في الخطابة نصيب الثائر من الغاز والخرطوش ولنلقي بحجر ثقيل على قدمه، هل سيتشدق حينها وتنتفض عروقه وهو يهتف عن الحرية والعدالة والديمقراطية؟!، فقط ستكون استجابته "آآآآآآآآآآآآه"، زفير متطاول لم تساهم في تنغيمه كثير من أحبال جهازه الصوتي التي يرهقها في خطاباته العصماء.! في مقال رائع لجورج أورويل مهندس كابوس الأخ الكبير "1984" بعنوان "السياسة واللغة الإنجليزية" يصل إلى أن " العدو الأكبر للغة هو الرياء والنفاق"، لأنه المحرك الأول لها والحافز الوحيد على استخدامها، إننا نتكلم لأننا ندرك أن الصمت كفيل بتعريتنا أكثر مما نود فنسارع لطمر خجلنا بالكلام، إننا نتكلم لأننا ندرك أن الصمت لا يستر في أوقات كثيرة تلك اللامبالاة التي نشعر بها تجاه الآخرين، إننا نتكلم لأننا في الصمت نسمع من أنفسنا همهمات لا نفهمهما وإن فهمناها لم نتبين مغزاها، إننا نتكلم لأن شعورنا بالوحدة يتفاقم في الصمت ولكننا نرفض أن نهدم جدران الوحدة عبر تواصل حقيقي "ميتا-كلامي" إن جاز تسميته.. لا يحتاج لجسر صوتي هش، وبدلاً من ذلك نسارع إلى "الكلام" لنرسم على الجدران نوافذ وهمية ونتفنن في زخرفتها بالبلاغة، ولربما كان على الوجه الآخر من الجدار إنساناً آخر يسهب في رسم النوافذ الوهمية، ويظل بين الوجهين حائط من العزلة وكثير من نوافذ كلام.!

 الأدهى من أننا حين نتكلم تتردد أصواتنا بين جدران عُزلتنا، والأنكى من أننا نتكلم للسيطرة على ما يراه الآخرين من ذواتنا. الطامة الكبرى أننا حين نتكلم لسنا نحن من يتكلم، نكون بوق لأصداء غيرنا، حناجرنا خزائن نسى فيها أجدادنا متعلقاتهم، حناجرنا اصبحت سلة مهملات يلقي بها الآخرون فضلات أذهانهم فيها، حناجرنا تنطوي على الكثير من الفوضى التي لا نستطيع أن نميز من بينها ما يخصنا، قد تقول ممتدحاً فتاة "انتي بميت راجل" فيكون هنالك صف طويل من أسلافك الذكوريين هم من يتحدثون عبرك، قد تقول "أصاب الهدف" فيكون هنالك صف أطول من أسلافك الصيادين أو المحاربين هم من يتحدثون عبرك، لكي لا تكن بوقاً لصيحات الأسلاف ولكليشيهات شاشات التلفاز وللفضلات الصوتية للعابرين، يتحتم عليك أن تحاكم "الكلام" وتشذبه وتعيد تشكيله، لكن الدائرة المفرغة تكمن في أن رائدك في إعادة صنع "الكلام" هو عقل ساهم "الكلام" نفسه في تشكيل بنيته ومفاهيمه وأحكامه.!

 حين قال سقراط "تكلم حتى أراك" كان يعني "تكلم حتى أظن أنني أراك وحتى أظن فضلاً عن هذا أنني حين أتكلم تراني". الطفل يقوم بالدندنة ليطرد الأشباح التي يتوهمها، ولكن عندما يكبر قليلاً يجتهد في إنضاج "الدندنة" لتصير كلاماً يستعيد به الأشباح التي طردها، إنه يتكلم لا لتراه الأشباح بل ليتوهم أن الأشباح تراه، إنه يمنحها جسداً من الكلام لكي تكفيه مؤونة الخروج بحثاً عمن يؤنس وحشته العضال.! من المألوف أن يخيم الصمت ثقيلاً على جلسة ما، فيبادر أكثرهم في البحث عن أي موضوع وحينها يتشبثون بأوهى خيوط الكلام تشبثَ المنتحر بحبل (النجاة-المشنقة)،لِمَ؟! الصمت يعقد محاكمة نزيهة وحازمة للعلاقات، العلاقة الحقيقية تتعطش للصمت وكأنه اللغة وقد أوجزت فأعجزت، أما العلاقة المفتعلة فلابد لها منها غطاء صوتي يستر عورة المسافة الباردة ويغطي على أنات الذوات الوحيدة، المتجاورة دون تواصل، الصمت إذن مقصلة للروابط الإجتماعية "الزائفة" لكن "الضرورية" لنمط حيواتنا، لذلك يبدو أن الصمت هو لغة لم ينتخبها أغلب البشر لتمثيل أفكارهم ورؤاهم وانفعالاتهم وانتخبوا بدلاً منه "الكلام"، وحدهم العشاق والمتصوفة وبعض الشعراء مَن يدركون أن الصمت هو الرؤية الصافية غير المضببة، وأن "الكلام" منظار معتم ملوث ببصمات قاتمة لعدد لا يحصى من الشفاه. اخرس فلن تخسر بصمتك سوى الكثير من الأشباح، اخرس فهناك احتمال ضئيل -يستحق المحاولة؛ لحدوث المعجزة الأروع والأندر: أن يراك أحدٌ ما!

يتبع..